أن يقول حزب الله "التحقيق الدولي لا يعنينا"، هذا كلام دقيق، ولكن هذا التحقيق لا يعنيه منذ طالب اللبنانيون بلجنة تحقيق دولية لعدم ثقتهم بالنظام الأمني الذي قام آنذاك بالـ"عبث بمسرح الجريمة"، وسحب موكب سيارات الرئيس المحترقة من موقع الجريمة، وكان يستعد لـ"شطف" دماء الرئيس الشهيد ورفاقه واللبنانيين الذين استشهدوا معه وردم الحفرة وإعادة فتح الطريق، قد يكون هذا هو نوع "التحقيق" الذي يثق به حزب الله، لذا اعترض بشدة ووقف في وجه اللبنانيين الذين طالبوا بلجنة تحقيق دولية…
وعلى رغم إعلان بيان إعلامي لحزب "الله" صدر بالأمس أنه:" يضع ما لديه في عهدة القضاء اللبناني وانه ليس معنيا بالتحقيق الدولي والذي بات موقفنا منه معروفاً للجميع"، على الرغم من هذا الإعلان لا يملك حزب الله إلاّ أن يقدّم ما لديه مما أسماه "قرائن ومعطيات" وتحليله لجريمة الاغتيال للمدعي العام دانيال بلمار، حتى اللحظة لا يستطيع حزب الله أن يعلن رفضه التعاون مع فريق التحقيق الدولي الذي لا يعنيه، وبعدم امتثاله لطلب المدعي العام بلمار يكون الحزب قد حشر نفسه وكل خطابات ومؤتمرات أمينه العام في الزاوية، ثم لابدّ من التذكير بأن كل التقارير الصادرة عن الذين توالوا على رئاسة لجنة التحقيق كانت تشير إلى تعاون أو امتناع دول عن التعاون وهذا الأمر أشبه بشكوى بمجرد الإشارة إلى دول لا تتعاون أو إلى تعاون مرضٍ من أخرى، فهل حزب الله "دولة"؟
وغبي مَن يظن أن حزب الله لن يحاول في مرحلة لاحقة منع الدولة اللبنانية من التعاون مع المحكمة، سيحاول بشتى الطرق ولكن "متلطياً" وراء عنوان "الدولة" التي حتى اللحظة يُعيق إمساكها بزمام الأمور ويحول دون بسطها لسلطتها على الأراضي اللبنانية كافة بحسب ما نصت عليه وثيقة الوفاق الوطني في اتفاق الطائف.
نقلت الصحف الصادرة صباح 9 آذار 2005 ما قاله أمين عام حزب الله في خطاب ساحة رياض الصلح الشهير بخطاب 8 آذار، يومها قال: "إن كشف الحقيقة في ما يتعلق بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري "أمر وطني جامع"، إلا أنه لم ينسَ تعليق هذا الأمر "الجامع" – والكلمة تعني عادة لا معترض ولا متحفظ على أمر ما – وربطه بـ "إخراج هذه القضية من ساحة التجاذب والتوظيف السياسيين"، على اعتبار أن جريمة اغتيال الرئيس الشهيد ليست جريمة اغتيال سياسي بامتياز…
ولابدّ من أن نذكر اللبنانيين، الذين خطأً ينسبون الفضل في اقتراح طاولة الحوار إلى الرئيس نبيه بري ـ ونحن كنا منهم ـ فقط المراجعة الدقيقة لخطاب 8 آذار في العام 2010 نبهتنا إلى أن "الثلث المعطل" كان هدفاً لحزب الله تماماً مثل طاولة الحوار كانت "غاية" لحزب الله ليتم عبرها تعطيل سير الأمور إلا أنه لم ينجح في تحقيقها إلاّ في آذار العام 2006، يومها اقترح أمين عام حزب الله والبلد غارق في وحشة جريمة هائلة "المخرج الوحيد من المأزق هو قيام حكومة اتحاد وطني تلي الاستشارات النيابية والتسمية والتكليف"، وإلاّ فـ"حكومة مسؤولة نحتاج اليها في كل استحقاقاتنا (…) وإذا رفضت المعارضة هذه الحكومة، لنذهب إلى طاولة الحوار"…
وللتذكير فقط في 19 آذار 2005 نقلت الصحف اللبنانية تأكيد شقيقة الرئيس الشهيد النائب بهية الحريري: "رفضها لجنة عربية للتحقيق في الجريمة متمسكة بـ"لجنة تحقيق دولية تكشف الحقيقة" وباستقالة رؤساء الأجهزة "كلهم"، مشددة على أن "دم الرئيس الشهيد لن يذهب هدراً".
وصباح الأحد 20 آذار 2005 نقلت الصحف اللبنانية عن أمين عام حزب الله الذي تراجع عن المطالبة بلجنة تحقيق عربية لا دولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد ـ مع أنه في مسلسل خطاباته أمام اللبنانيين أن الحزب لم يطلب شيئاً من عائلة الرئيس – بعدما اشتمل بعباءته وخاطر بحياته وقصد مقر دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية واجتمع إلى المفتي محمد رشيد قباني مطالباً بلجنة عربية "حرصاً على المقاومة"، في ذاك الأحد بعد أيام ستة على يوم 14 آذار كانت الصحف تنقل قول أمين عام حزب الله الذي صدر عنه في 19 آذار: "إن طرحه للجنة تحقيق عربية كان مجرد فكرة، وهو يحترم مطلب عائلة الرئيس الشهيد"…
هذه المواجهة العاتية من حزب الله لمطلب اللبنانيين بلجنة تحقيق دولية جاءت حتى من قبل أن تطالب القمة العربية المنعقدة في الجزائر أواخر آذار العام 2005، وقبل اقتراح أمين عام الأمم المتحدة كوفي أنان لجنة دولية للتحقيق في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وقبل أن توصي لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة في تقريرها الذي قدّمته الى مجلس الأمن في 24 آذار 2005 والتي رأسها نائب مفوّض الشرطة الايرلندي بيتر فيتزجيرالد بأنه من الضروري إجراء تحقيق دولي عن طريق لجنة مستقلة "للوصول إلى الحقيقة"، وكشفت أن التحقيق اللبناني في الجريمة تشوبه عيوب خطيرة ولا يمكن أن يصل إلى نتائج يوثق بها، موضحة أن "عملية التحقيق التي قامت بها السلطات اللبنانية فيها خلل كبير وهي لم تكن لديها لا القدرة ولا الرغبة في التوصل إلى نتيجة ذات صدقية" حول عملية الاغتيال".