وجد رئيس "اللقاء الديمقراطي" النائب وليد جنبلاط في قرار مجلس الوزراء البارحة، وضع اليد على ملف شهود الزور عبر جمع المعلومات عنه، إجراءً حكيماً، إلا أنه حاذر الخوض فيه، مفضلاً ترك الأمر للأجهزة المعنية كي تحقق، ومن ثم تقدّم الإجابة، لكنه قال: "كفينا الاتهام السياسي، فشهود الزور أصبحوا، كالمحكمة الدولية، جزءاً لا يتجزأ من الاشتباك السياسي الداخلي".
جنبلاط، وفي حديث لصحيفة "لاأخبار"، عزا تردّده إلى أن لا علاقة له بشهود الزور، مشيرا إلى أن يُقال إن هناك شهود زور، وداعيا إلى ترك الأجهزة المعنية تتدخّل إذ إن الموضوع دقيق وحسّاس، مقاربا الملف على نحو الاكتفاء بوضعه بين أيدي الأجهزة المعنية كي تتحقق من هؤلاء، وتكشف من أدار شهود الزور وأوجدهم.
ولم يستكمل نهائياً مراجعته النقدية للمرحلة السابقة، والتي لا تكتفي بالمصالحة مع الرئيس السوري بشّار الأسد و"حزب الله"، بل تحمله على مراجعة بعض جوانب التحقيق الدولي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وأضاف: "لم أجتمع بديتليف ميليس إلا مرة واحدة عندما زارني في المختارة عام 2005، وطلب إفادتي. وهي الإفادة الوحيدة التي أعطيته إياها. حينذاك لمّحت في إفادتي بإشارات وإيحاءات إلى الخشية من الوقوع في لعبة الأمم".
وعندما قيل له إن إفادته الأولى هذه، وجّهت كل الإفادات التالية التي أعطاها سياسيو قوى 14 آذار إلى التحقيق الدولي، وخصوصاً ما يتصل منها بعلاقة الرئيس الراحل بسوريا ورئيسها، أجاب: "لا أعرف ماذا قال الآخرون في إفاداتهم. أعطوا عشرات الإفادات من دون أن أعرف ماذا أعطوا، وبينهم مَن التصق بميليس ليل نهار. لا علاقة لي بهم، ولم أشتغل على شهود الزور. أسمع قصصاً عن هذا الأمر. كان اتهامنا في تلك المرحلة سياسياً. وعندما يحين الظرف الملائم سأتكلم. وعندما أعطي إفادتي أمام المحكمة الدولية فسيكون ذلك علنياً".
واعتبر جنبلاط أن لعبة الأمم هذه تذكّره بحوار دار بينه وبين سفير دولة كبرى أحجم عن ذكر اسمه، وهو صديقه، عندما قال له على أثر اندفاع قوى 14 آذار نحو فرض المحكمة الدولية: "تريدون المحكمة الدولية، ستأخذونها. لكن لنرَ في ما بعد ماذا ستفعلون؟".
وتابع جنبلاط: "عندما طالبنا بالمحكمة الدولية، كنا في وضع يحول دون قدرتنا على تجاوز الحال النفسية والعاطفية بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. لكن، عندما تعذّر إقرار المحكمة الدولية في لبنان، وأدخلها مجلس الأمن في الفصل السابع بهدف إنشائها، دخلنا في لعبة الأمم ولا نزال. باتت المحكمة الدولية اليوم مرتبطة سياسياً بالقرار 1559، وهناك مَن ينظر إليها على أنها إحدى وسائل تطبيق هذا القرار"، لافتا إلى أن في القرار 1559 بندين: الأول انسحاب الجيش السوري من لبنان، وقد انسحب بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. والثاني تجريد الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ـــــ أي الفلسطينية ـــــ من سلاحها. وعندما فشل العدوان الإسرائيلي عام 2006، واستحال على إسرائيل كسر الآلة العسكرية لحزب الله والمقاومة، بدأت مرحلة جديدة من تنفيذ القرار 1559 في هذا البند، وهو الاستعاضة عن تجريد "حزب الله" من سلاحه بضرب صدقيته من خلال بث الفتنة في لبنان، ومؤكدا أنه كان أول مظاهر هذا التوجّه القرار الظني وفق ما أعلنته مجلة دير شبيغل، ثم أكمله رئيس الأركان الإسرائيلي غابي أشكينازي. من خلال القرار الظني يراد خلق فتنة في لبنان.
إلى ذلك، أكد جنبلاط تمسّكه بالمحكمة الدولية أكثر من أي وقت مضى، معتبرا أن لا يمكن إلغاؤها لأنه مستحيل، ولا أحد قال إنه يريد إلغاءها، لكنه شدد على أن لا بد من أن تأخذ المحكمة الدولية بالقرائن الجديدة، المهمة والجدّية، التي أعلنها حسن نصر الله لئلا تحرفها لعبة الأمم عن مسارها، وتابع: "هناك اتهام لإسرائيل بالضلوع في اغتيال الرئيس الحريري، ولا بد من الأخذ في الاعتبار هذا الأمر"، مميّزا بين الموقف من المحكمة الدولية والموقف من القرار الظني: فالأولى يريدها الجميع، والثاني هو مصدر فتنة وأنا أرفضه. كان نصر الله حكيماً عندما لم يأتِ على ذكر المحكمة الدولية في مؤتمره الصحافي الأخير، بل على القرار الظني. للمحكمة الدولية رمزية خاصة لدى فريق الرئيس سعد الحريري.
وخلافاً لما يُشاع عن إمكان اضطلاعه بوساطة بين رئيس الحكومة والأمين العام لحزب الله لإعادة الحوار المباشر بينهما، أضاف جنبلاط: "لا أريد دوراً أكبر من قدراتي، دعوني أعمل وأشتغل على قدّي. هناك مسائل حساسة لا تحل إلا بالتواصل المباشر بين الرئيس الحريري ونصر الله، وأنا لا أستطيع أن أكون وسيطاً بينهما، ولا أريد أن أكون. أنا مرتاح إلى دعوات رئيس الحكومة إلى التهدئة والحوار مع حزب الله، وهو أمر مهم. كذلك سوريا تدعو إلى التهدئة وتصرّ على الاستقرار، وهي عامل رئيسي في تحقيقه. أما الذين يتكلمون على السيادة بمعزل عن التنسيق مع سوريا، فلا يسعني وصفهم إلا بالمجانين. أمن لبنان من أمن سوريا، وأمن سوريا من أمن لبنان. وهذا ما أكدناه في اتفاق الطائف. تريد سوريا الاستقرار في لبنان، لأنها ترفض القرار الظني وترى أنه مشروع للفتنة".
وتابع: "أنا مقتنع ـــــ كسوريا ـــــ بأن القرار الظني يستهدف الاستقرار الداخلي، وهو إحدى البوابات إلى الفتنة، وسيُستخدم في غير الأهداف التي تتوخاها المحكمة. هذا ما قلته في باريس الخميس الماضي".
من جهة أخرى، اكدت مصادر مطلعة لصحيفة "الأنباء" الكويتية الى ان رئيس اللقاء الديموقراطي وليد جنبلاط دعا احد المحامين المقربين من رئيس الحكومة سعد الحريري الى العشاء وطلب منه ان يذهب الى الحريري ويقول له: "كما انا نسيت دم أبي يجب عليك ان تنسى دم أبيك وتنتهي هالقصة".
إلا ان مقربين من الرئيس الحريري أكدوا ان الضغط عليه لتغيير موقفه من المحكمة الدولية لن يؤدي الى اي نتيجة، وانه سيؤيد مضمون القرار الظني فور صدوره.