وسط زوبعة الكلام المتدحرج والدوي المتصاعد حول المحكمة الدولية والقرار الظني المنتظر، يرتفع في بيروت ما يفترض البعض، انه يشكل حائط صد يتوسل كل الاحتمالات، لمواجهة ما يمكن ان تحمله مندرجات القرار الظني، الذي يتخوف الكثيرون من ان يكون بمثابة صاعقة كبيرة تتجاوز اصداؤها لبنان الى المنطقة بأسرها.
في موازاة ذلك، يرتفع صمتان لهما معنى ودوي ايضا، هما:
❒ اولا: صمت المحكمة الدولية والمدعي العام المحقق دانيال بلمار، الذي رفض دائما التعليق على كل ما قيل ويقال عن المحكمة وما يوجه اليها من اتهامات.
❒ ثانيا: صمت "ولي الدم" رئيس الحكومة سعد الحريري، الذي حرص دائما ويحرص الآن، على اعتبار المحكمة التي تحقق في جريمة اغتيال والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، كيانا قانونيا دوليا مستقلا، لا يجوز حتى التفكير في التدخل في اعماله، بما قد يعني ان ابوابه مفتوحة على التدخل والتأثير والتسييس.
اندلعت العاصفة المتصاعدة بعد الحديث عن ان القرار الظني سيتهم عناصر من "حزب الله"، وقد قيل الكثير الكثير حتى الآن:
❒ اولا: ان هذا الامر سيكون بمثابة مؤامرة اميركية – اسرائيلية على المقاومة، وقد يؤدي الى قيام سبعين "7 أيار" جديد يقلب الاوضاع في لبنان رأسا على عقب.
❒ ثانيا: ان "حزب الله" يملك قرائن عن ان العدو الاسرائيلي متورط في الجريمة سواء من منطلق بوابة العملاء في وزارة الاتصالات او من بوابة الرصد الجوي التي عرضها امينه العام السيد حسن نصر الله في مؤتمره الصحافي، وصارت الآن في عهدة المحقق بلمار لفحصها والتدقيق فيها.
❑ ثالثا: اثارة مسألة شهود الزور امام السلطة التنفيذية وتكليف وزير العدل اعداد دراسة قانونية بشأنها، وهذا لا يعني اطلاقا ان الحكومة اللبنانية دخلت شريكا مضاربا على المحكمة الدولية، فهذا امر مستحيل بسبب استناد المحكمة الى الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة.
❒ رابعا: قبل ان يقول بلمار رأيه في قرائن الامين العام لـ"حزب الله"، والاغلب انه لن يقول، قياسا بالمسار التكتمي الذي يحرص عليه، اولا لجهة سرية التحقيق وثانيا لحسن سير اعمال المحكمة، رفع "حزب الله" حائط الصد مدماكا جديدا، عندما اعلن عضو مكتبه السياسي محمود قماطي اول من امس ان "الهدف هو الغاء المحكمة ومفاعيلها والغاء المعاهدة معها"، وهذا موقف يناقض الموافقة السابقة على المحكمة، وآخرها ما نص عليه البيان الوزاري لحكومة الوحدة الوطنية الحالية.
❒ خامسا: اوحى "حزب الله" على لسان الشيخ نعيم قاسم وقماطي، انه يسعى الى تلقيح الرأي العام لبنانيا وعربيا واسلاميا لإرساء مناعة تمنع قيام فتنة بسبب المحكمة، وان الشعب سيحسم الموقف من المحكمة عندما يرى ان اسرائيل لا تُتّهم مع وجود القرائن التي قدمها نصر الله.
❒ سادسا: يوضع في التداول الساخن الآن سيناريو قلب الاوضاع على البارد، ربما بمعنى اللجوء في الوقت المناسب الى اسقاط الحكومة عبر الانسحاب منها بمشاركة من وزراء وليد جنبلاط.
❒❒❒
في مواجهة كل هذه المواقف المدوية المتدحرجة، يرتفع كما قلنا جدار من الغموض والصمت، وهما لا يقلاّن دويا عن الكلام.
❒ أولا: ان القرار الظني لم يصدر بعد. وربما يتأخر على الاقل من منطلق حاجة بلمار الى التدقيق العلمي والقانوني في قرائن نصر الله بشأن تورط اسرائيل، ولكن باستثناء ما نشرته مجلة "دير شبيغل" وصحيفة "لو فيغارو"، ليس هناك اطلاقا ما يؤشر الى ان القرار الظني، سيتهم عناصر من "حزب الله". اما دخول غابي اشكينازي وبعض المسؤولين في حكومة العدو على خط الاتهامات، فانه بالطبع محاولة لاستسقاء المشاكل والفتنة في لبنان.
❒ ثانيا: تبدو المحكمة والمحقق بلمار وكأنهما داخل ستار حديد في هولندا، فلا تعليق ولا اشارة ولا اي رد على اي كلمة او اتهام او استدراج او ايحاء او حركشة، وكل ما تفعله المتحدثة بلسان المحكمة فاطمة عيساوي هو القول تكرارا ما معناه: ابوابنا مقفلة وننكب على كشف الحقيقة ولا نهمل اي شاردة تحتاج الى تدقيق ونقطة على السطر.
هنا يصبح الكلام الذي سمعه جنبلاط في باريس من جيفري فيلتمان ومن الفرنسيين، عن رفض التدخل في امور المحكمة مفهوما لانه يرتبط بما يعنيه استناد المحكمة الى الفصل السابع.
❒ ثالثا: وهو الاهم والاوضح، اي الفهم البانورامي الذي يركن اليه "ولي الدم" سعد الحريري لموضوع المحكمة. فمنذ عودته من عطلته حاذر الدخول في زوبعة الدوي المثار، مشددا على امرين:
– معرفة الحقيقة التي يطالب بها الجميع قاطبة وخصوصا السيد نصر الله بعد عرضه القرائن التي تتهم العدو الاسرائيلي.
– المحافظة على الهدوء والاستقرار وعدم الانجرار الى الفوضى والفتنة، وهو ما تريده اسرائيل وتتمناه للبنان. ولكن المسألة كما يقول تماما، منوطة بنا، فليس على اللبنانيين صنع الفتنة بأيديهم.
❒❒❒
اول من امس، قال سعد الحريري كلاما له مغزى عميق: "آليت على نفسي مقاربة المواضيع بهدوء وروية. جعلت من الصمت لغة تعبّر عن نفسها او تبحث عن اطراف الكلام بلغة بسيطة لا ارغب في ان تحمل اي شكل من اشكال التأويل والتفسير(…). انني بغض النظر عن الضجيج الذي يواكب التطورات ويتخذ منها وسيلة للاثارة، ارى بعض الامور التي تتحرك في الاتجاه الصحيح، ومنها المعلومات التي اودعت النيابة العامة التمييزية… إنني اذ اشدد على التزام مسار التحقيق الدولي والمحكمة الدولية من اجل لبنان بصفتها الهيئة الصالحة لتحقيق العدالة، اود ان ألفت الجميع الى ان ما يسمعونه مني هو الصحيح. فانا اتكلم باسمي وليس هناك من احد يتكلم بلسان سعد الحريري".
هذا كلام جدير بالقراءة مرتين، وسط زوبعة متطايرة من الاخبار المفبركة والسيناريوات المنسوجة والاوهام والخبريات، التي يحاول البعض إلصاقها به وفي مسألة وجدانية عميقة تتصل بإرث الدم والألم، كما تتصل بالواجب الوطني والمسؤولية الاخلاقية، ولا تقبل تاليا سوى تعبيد طريق الهدوء والاستقرار امام وصول الحقيقة!
