في مسرحية "بياع الخواتم" الغنائية، ابتدع الرحابنة شخصية "راجح" التي أصبحت جزءاً من المثل الشعبي اللبناني.
تقول الرواية إن مختاراً كان يشغل أبناء ضيعته بقصص يرويها عن شخصية إجرامية تمثل "الشر المطلق"، هدفها الدائم أذية الضيعة وأبنائها، وأطلق المختار اسم راجح على هذه الشخصية. وكان المختار يوهم الجميع بأنه كان يخوض معارك يومية مع راجح لحماية الضيعة، وأن بطولات هذا المختار هي التي حمت أهل الضيعة ومنعت المجرم من القضاء عليهم. بالمحصلة، فإن مجموعة من المشاغبين بدأت تقوم بأعمال سرقة وقرصنة في الضيعة على أساس أن المتهم الطبيعي سيكون راجح، والمختار الذي كان عالماً باللعبة وقع بين الكذبتين، فهو غير قادر على الدفاع عن راجح الذي يمثل "الشرّ المطلق" من جهة ولا هو قادر على فضح كذبته التي بنى عليها بطولاته الوهمية وزعامته للضيعة من جهة أخرى. بالنهاية فقد تمت تبرئة "راجح" من الجرائم على اعتبار انه غير راجح الشرير، وعوقب المجرمون المحليون على طريقة العدالة الرحبانية الفولكلورية.
لسنا هنا في معرض "تفكيه" الواقع، فراجح الكذبة الذي يمثل الشر المطلق في "بياع الخواتم" هو واقع معروف اسمه إسرائيل التي أثبتت عبر العقود الماضية أنها فعلاً شر مطلق من خلال ما مارسته من ارهاب وقتل وتدمير وتعسف تجاه شعبي فلسطين ولبنان. ولكن كل هذا الواقع لا يلغي وجود شرور أخرى منتشرة على مدى عالمنا العربي، ويكفي أن نتذكر حروب الأخوة وتنكيلهم ببعضهم البعض بوحشية مطلقة أين منها الشرّ المطلق.
والجدير ذكره هو أن الطرفين المتقاتلين كانا، ولا يزالان، في كل مرة ينعت الواحد منهما الآخر بخدمة مصالح إسرائيل والعمالة والجاسوسي والخيانة والكفر والرجعية والأمركة وغيرها من التعابير التي ابتدعتها المخيلة العربية الواسعة على مدى عقود التجهيل.
والملاحظة الدائمة هي أنه في كل مرة كانت تجرى عملية اغتيال لمعارض سياسي محلي كان راجح يتهم بالجريمة.
وفي كل مرة ينهار سد أو بناية، أو تنهار شبكة الكهرباء كان راجح وراء الحدث.
وكلما فشلت خطة خمسية أو سبعية أو عشرية للنهوض الاقتصادي والمالي كان راجح أيضاً وراء الفشل.
هذا لا يعني أبداً ان راجح لا يرغب ولا يسعى الى كل هذه الكوارث، ولكن الواقع أكد على أنّ تقاطعاً منطقياً في السياسة وفي الأفعال موجود بين راجح ومخاتير المنطقة المنتشرين من المحيط الى الخليج لدرجة تخال فيها أن وجود أحدهما يعطي الشرعية للثاني، وأن غياب أحدهما يلغي عملياً الحاجة للثاني. وقد تجد الكثير من الجرائم على خط التماس بين الطرفين بحيث يستفيد كل منهما من مفاعيلها.
والطامة الكبرى هي أن جماهير العرب، من المحيط الى الخليج، ورغم تجاربها المرّة مع مخاتيرها، لا تزال عرضة لابتزاز قصة راجح، ليغيب مرتكب الجريمة والمخطئ والمقصّر والفاسد والمفسد في غابة من الشعارات الفارغة المضمون والتي تعمل على دغدغة الأحاسيس لتحجب العقل وتمنعه من استخلاص العبر والحقائق.
ما لنا الآن وقصة راجح والمخاتير، فالقضية المطروحة الآن على بساط الجدل يجب أن تكون نظرياً خارج إطار المساجلات. فلو تركت المسألة لتركيب السيناريوهات المنطقية لكان بالإمكان وضع عشرات بل مئات الاحتمالات لعملية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ولكانت كل الاحتمالات تعتمد على منطق سليم وذلك بناءً على المنطلقات والمسلّمات التي بنيت عليها. ولكن واقع الأمر هو غير ذلك، ذلك أن أي تحقيق في جريمة ما يكون مبنياً أولاً على الأدلة الجنائية وهي المبنية على الوقائع المادية الثابتة، ومن بعدها قد يبنى تصور لتفاصيل الجريمة وامتداداتها على مستوى المشتركين في التحضير والتخطيط.
لذلك فإن الهدف الوحيد من الإصرار على التمسك بالمحكمة الدولية هو الحرص على الوصول الى الحقيقة ومعاقبة الفاعلين حتى يضمن أبناؤنا أنّ لا راجح سيتجرأ على العبث بحياتهم واستقرارهم، ولا مختاراً سيجد في راجح غطاءً لأكذوبته. وما نريده هو الحقيقة والعدالة والاستقرار معاً والتي عليها بأجمعها يتوقف مستقبل لبنان كوطن حر وديموقراطي وذلك لحماية أبنائه وسلمهم الأهلي من خلال العدالة وسلطة القانون.
لقد عشنا عقوداً طويلة في ظل ضياع الحقيقة وتقاطع المصالح بين راجح والمخاتير وقد آن الأوان لكسر هذه الحلقة المفرغة من خلال معرفة الحقيقة.