هل أقنعت إسرائيل أميركا بتقديم أمنها على السلام؟
نتائج المحادثات مع إيران ترسم صورة جديدة للمنطقة
يبدو ان حكومة بنيامين نتنياهو استطاعت اقناع الادارة الاميركية كما كانت اقنعت من قبل إدارات أميركية سابقة بأن أمن اسرائيل هو الأول والسلام هو الثاني. إذ رغم انسحابها من الأراضي المصرية والاردنية التي كانت تحتلها، فان اسرائيل لم تحصل على السلام الحار ولا سيما على المستوى الشعبي انما على السلام البارد، وانسحبت من أجزاء كبيرة من الاراضي اللبنانية التي كانت تحتلها تنفيذاً للقرار 425. إلا أنها لم تحصل لا على الأمن ولا على السلام مع لبنان، وظلت حدودها الشمالية معه غير آمنة لا بل مضطربة رغم وجود قوات "اليونيفيل" وذلك بسبب وجود مجموعات مسلحة وتحديداً "حزب الله" بذريعة انها تريد الانسحاب الكامل من باقي الأراضي اللبنانية التي لا تزال محتلة مع ان لا شيء يضمن ان تنعم الحدود اللبنانية – الاسرائيلية بالهدوء ما دام مسؤولون في "حزب الله" يعلنون ان الحزب سيظل محتفظاً بسلاحه حتى لو تم هذا الانسحاب، ربما لمساندة مجموعات مسلحة في الضفة الغربية وقطاع غزة وتحديداً حركة "حماس" على تحرير الاراضي التي تحتلها بما فيها القدس. وليس سوى حدودها مع سوريا هادئة وان لم يكن قد تحقق السلام بينهما لأن الخلاف لا يزال قائماً على حدود الانسحاب من هضبة الجولان.
لذلك، فان اسرائيل ابلغت الى الادارة الأميركية انها لن تنسحب من باقي الاراضي اللبنانية ومن باقي الاراضي الفلسطينية الا بعد ان تضمن الأمن لحدودها، وهذا الأمن قد لا يتحقق حتى وان تحقق السلام إذا ظل "حزب الله" يحتفظ بسلاحه في لبنان ويحرك هذا السلاح ساعة يشاء وبرغم ارادة السلطة الثنائية، واذا ظلت أيضاً "حركة حماس" والجهاد الاسلامي، وغيرهما من التنظيمات الفلسطينية تحمل السلاح ولا تخضع لأمرة السلطة الشرعية بدليل ان اتفاقات سلام عديدة عقدت مع السلطة الفلسطينية ولم يتحقق لا الأمن ولا السلام بين اسرائيل وهذه السلطة بسبب معارضة هذه التنظيمات.
أما سوريا التي حافظت على الأمن على حدودها مع اسرائيل فإنها ترفض تحقيق السلام بمفردها وتريد ان يكون السلام شاملاً كي يصبح الأمن عندئذ شاملاً، واسرائيل ترفض الانسحاب من هضبة الجولان ما لم تحصل على الأمن في لبنان وفي فلسطين المحتلة، وللحصول عليه لا بدّ من جعل المجموعات المسلحة تتخلى عن سلاحها أو ان تتعهد سوريا بمنع وصول الاسلحة اليها وهو ما لم تتعهد به سوريا حتى بعد الانسحاب من هضبة الجولان لأنها تعتبر ان السلام المنفرد مع أي دولة لا يحقق الأمن بل يحققه السلام الشامل والعادل في المنطقة.
وهكذا تصبح المسارات الثلاثة الفلسطينية والسورية واللبنانية مترابطة ومتلازمة حتى ولو تقدم مسار على آخر، فالانسحاب مثلاً من باقي الاراضي اللبنانية لا يحقق الأمن لاسرائيل اذا ظلت تحتل أراضي فلسطينية أو أراضي سورية، والانسحاب من الاراضي السورية لا يحقق الأمن لاسرائيل اذا ظلت اراض لبنانية او فلسطينية محتلة وكذلك الأمر بالنسبة الى الاراضي الفلسطينية.
وهي الأكثر تعقيداً في التوصل الى اتفاق على الانسحاب منها لأن هذا الاتفاق لن يتحقق إلا إذا صار اتفاق على قيام دولة فلسطينية بحدود نهائية لها، وصار اتفاق على القدس وعلى عودة اللاجئين الفلسطينيين، وان تتوقف اسرائيل عن بناء المستوطنات الى ان يتم التوصل الى اتفاق على كل ذلك. والا فان الانسحاب من باقي الاراضي اللبنانية ومن الجولان السوري لا يضمن الأمن لاسرائيل الذي تريد تحقيقه قبل السلام.
وتأكيداً لموقف الادارة الأميركية من موقف اسرائيل هذا، فان مسؤولين أميركيين قالوا بوضوح تام: "لا سلام في المنطقة اذا لم يدرك الجميع التزامنا أمن اسرائيل وان الولايات المتحدة الاميركية ستقف دائماً الى جانب أمن اسرائيل. ولكي تجعل اسرائيل تطمئن الى أمنها بعدما أخذت تخاف عليه من احتمال حصول ايران على السلاح النووي، فقد وافقت اميركا على بيعها طائرات حربية متطورة جداً على أي نوع من الطائرات في العالم، حتى اذا تعرضت اسرائيل لهجوم او قررت اسرائيل الحرب فانها تستطيع ان تدافع عن نفسها، وان تكون متفوقة على غيرها في أي حرب محتملة.
وفي اعتقاد مصادر ديبلوماسية عربية وغربية انه اذا لم تنجح الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد الاوروبي في اعادة الاسرائيليين والفلسطينيين الى طاولة المفاوضات المباشرة للاتفاق على أسس صلبة يبنى عليها السلام الشامل في المنطقة، ولم تتوصل جهود الموفد الأميركي جورج ميتشل الى وضع هذه الأسس، فإن هذه المصادر تتوقع الآتي:
أولاً: الدعوة الى عقد مؤتمر دولي شبيه بمؤتمر مدريد تطرح فيه الحلول لسلام شامل في المنطقة وتوضع آلية لتنفيذها، كي لا تبقى كغيرها حبراً على ورق.
ثانياً: ان يتم تعديل حكومة نتنياهو بدخول ممثلين عن الاحزاب غير الممثلة فيها بحيث يغلب فيها الاعتدال على التطرف فيسهل عندئذ تقديم تنازلات لمصلحة السلام الشامل في المنطقة لأنها تبقى أقل كلفة بكثير من الحرب وضحاياها.
ثالثاً: ان تنتظر اسرائيل حلول شهر أيلول المقبل لمعرفة نتائج المحادثات التي ستجرى مع إيران حول برنامجها النووي، فاما تسجل هذه النتائج خطوات متقدمة نحو التفاهم ويبتعد عندئذ شبح الحرب الشاملة عن المنطقة، واما لا تحقق هذه المحادثات ما يجعل التفاهم ممكناً مع إيران، وعندها تراهن اسرائيل على حرب لن تكون وحدها فيها، ونتائج هذه الحرب قد ترسم وجهاً جديداً للمنطقة ان لم يكن خريطة جديدة تغير وجهها.
