قطع رئيس الحكومة سعد الحريري الشك باليقين حين خرج على صمته في ما خص المحكمة الدولية، في اطلالته الرمضانية الخامسة فبعد ساعات على قرار مجلس الوزراء تكليف وزير العدل متابعة ملف (شهود الزور)، اطل الرئيس الحريري ليعلن (الالتزام بمسار التحقيق الدولي وبالمحكمة الدولية من اجل لبنان بصفتها الهيئة الصالحة لتحقيق العدالة. خلاف هذا الخط العريض ليس هناك ما يوجب التعليق بأكثر من ذلك في الوقت الراهن).
اهمية هذا الكلام تكمن في احالة الملف الى وزير العدل وقطع الطريق على المراهنين على اسقاط المحكمة الدولية، المراهنة كانت على ربط مسار المحكمة بمحاكمة (الشهود) في لبنان، مع ما يعني ذلك من أكبر عملية الهاء للرأي العام اللبناني وجعله يركز على (شهود الزور) لينسى القضية الاساسية وهي المحكمة والحقيقة والعدالة.
لئلا يلتبس الامر على كثيرين مما جرى في جلسة مجلس الوزراء الاخيرة، فاننا عمدنا الى التدقيق في القرار الذي صدر وفي المواقف التي اعقبته، فتبينت لنا الوقائع والمعطيات التالية:
من حيث المبدأ فإن مجلس الوزراء لا صلاحية له للبت في هذه القضية لسببين: الاول ان هناك فصل سلطات في لبنان، والملف المطروح بته هو من صلاحيات السلطة القضائية وليس السياسية، والمفروض ان يبت القضاء فيه وليس مجلس الوزراء، اما وقد وضع مجلس الوزراء يده على الموضوع، لوضع حد للمزايدات – وبالمناسبة فإن الملف طرح من خارج جدول الاعمال – فإن المجلس تعاطى معه بالحد الادنى ومن باب رفع العتب لأنه لا يحق له البت فيه.
السبب الثاني ان الملف قد يكون اصبح من اختصاص المحكمة الدولية، فحين ذهب اللواء جميل السيد الى لاهاي للمطالبة بالوثائق المتعلقة بشهود الزور، لم تجب المحكمة الدولية ان الملف ليس من اختصاصها بل ردت بأنها تعطي جوابها في ايلول المقبل، ما يعني ان الملف هو بشكل أو بآخر قد يكون من اختصاصها.
وعليه، وانطلاقا من هذين السببين، فإن مجلس الوزراء كلف وزير العدل انطلاقا من الحق الاوحد لهذا الاخير بالايعاز للنيابة العامة التمييزية متابعة ملف شهود الزور الى حين اكتمال عناصره.
وفي انتظار ما ستجيب به النيابة العامة التمييزية، فقد يأتي الجواب بأن هذا الملف ليس من اختصاص القانون اللبناني بل من اختصاص المحكمة الدولية التي لم تصدر أي شيء في خصوصه حتى الآن.
هذا بالنسبة الى ملف شهود الزور، مع الاشارة الى ان قضية محمد زهير الصديق هي ملف بحد ذاتها، فالصديق ليس مجرد شاهد زور بل مدَّعى عليه من جانب القضاء اللبناني، وهو ملاحق بهذه الصفة قبل اي صفة اخرى.
* * *
انطلاقا من كل ما تقدم فإن المحكمة الدولية تكون بذلك قد فصلت بين مسارها وبين شهود الزور، فكل ما نجم عن اقوالهم من مفاعيل اسقطته اصلا من ملفاتها وتحقيقاتها من دون ان تسقطه من وثائقها وارشيفها، وعليه فإن القرار الظني المرتقب يرجح ان لا يتضمن اي شيء له علاقة أو مرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بهؤلاء (الشهود) حسب مصادر قضائية مطلعة.
العارفون بهذه الحقيقة لا يعيرون قضية شهود الزور اهمية، ويرفضون ان يستدرجوا الى هذه الالهاءات، ربما لهذا السبب بدا الرئيس سعد الحريري مقلا في الكلام في هذا الموضوع، واكتفى في الاطلالة الرمضانية ذاتها بالقول:
(هناك من يتطوع لنقل ونشر بعض المواقف والمعلومات عن لساني وان المصادر المجهولة تعمل على فبركة الاخبار المنسوبة الى مقربين او الى واسعي الاطلاع، وهي تبنى على الخبريات وما يتراءى لهم من اوهام) وخاطب الحاضرين ومن ورائهم الرأي العام موجهاً اليهم النصيحة التالية:
(لا تأخذوا بأي حرف من ذلك واتركوا لاصحاب الخيال ان يتخيلوا ما يريدون).
* * *
المرتبك لا يقول هذا الكلام، وحده المرتاح والواثق من نفسه ومن مسار التطورات يقوله، فهل من يعرف قراءة السطور بدلا من ان ينهمك في القراءة ما بين السطور؟