لا يخفى على اللبنانيين فردا فردا، ومن الناقورة الى النهر الكبير، وحتى في دنيا الاغتراب والانتشار، ان هدوءهم موقت في انتظار "شيء ما". ولا يختلف كثيرا او قليلا عن فرصة الطلاب في الاعياد الموسمية، ولا عن استراحة المحارب التي قد تطول وتطول، وتكون اكثر من استراحة ولا حتى عن الهدوء الذي يقولون عادة انه يسبق العاصفة.
الا انهم يأملون ان يكذب المنجّمون ولو صدقوا، فيكون هدوؤهم اطول من شهر العسل بكثير، بل اطول من اطول يوم في التاريخ.
مثلما لا يخفى عليهم ان معظم الازمات الموسمية، وحتى المفاجئ منها، وتلك التي بين بين، مستورد من ارجاء المنطقة، وربما من انحاء العالم.
حتى المعركة "الجانبية" او "الحرب البديلة"، التي نزلت الى الساحة السياسية قبل اسابيع ولا تزال مستمرة بقدرة قادر، والتي تضع القرار الظني عنوانا والمحكمة الدولية هدفا، هي بدورها، وبكونها وذاتها، ليست من صنع محلي مئة في المئة.
قد تكون مستوردة من الخارج وقطعا قطعا على طريقة استيراد بعض انواع السيارات التي يُعاد تجميعها في مصانع محلية، ولكنها في اي حال تصل مواصيلها الى طهران التي افردت لها صدارة صحفها وتلفزيوناتها، وحلت في المرتبة الاولى من كلمات كبار الخطباء الرسميين.
واذا كان نابليون بونابرت قال ذات لحظة غضب من الامبراطورة جوزفين "فتّش عن المرأة"، فمن تحصيل الحاصل ان يقول بونابرتيّو لبنان، وما اكثرهم، فتّشوا عن المنطقة.
وهل المنطقة حبّتان؟
ولكن، ليس بالمطلق، حتما.
بل بالتشديد والتركيز على امرين مهمين، واساسيين، ووحيدين: مفاعل ايران النووي سيدخل حيز العمل والانتاج في بوشهر على ما اعلن اليوم، وعقدة التسوية السلمية بين الفلسطينيين والاسرائيليين، والتي يخشى كثيرون هنا وفي العالم ان يضع بنيامين نتنياهو المزيد من العصي في دواليبها.
انما لا بأس ببعض التريث، والانتظار، من دون اية مغامرة في اتجاه المراهنات التفاؤلية، او على مفاجآت وايجابيات من خارج نطاق كل التوقعات غير المشجعة، والتي يلتقي عندها حتى الذين يحسبون من عظام الرقبة، ومن صانعي القرارات الكبرى داخل الادارة الاميركية، وحتى داخل البيت الابيض.
الجميع، جميع المعنيين في واشنطن والعواصم الاوروبية وبعض العواصم العربية، يعرفون حق المعرفة ان من السهل ان يمر الجمل من خرم الابرة، وان يدخل اغنياء الحروب الجنة، الا ان من الصعب جدا، بل من شبه المستحيل، ان تتوصل المنطقة الى تسوية سلمية شاملة، بوجود امثال بنيامين نتنياهو في قمة السلطة في اسرائيل، وأشباه هذا النتنياهو وامثاله كثيرون جدا، ولدرجة انه من الصعب احصاءهم.
وفي المقابل لم تبرهن الادارة الاميركية في اي عهد من العهود، ومنذ كانت النكبة الفلسطينية، اي قبل اثنتين وستين سنة، انها قادرة على دفع الحكومات الاسرائيلية في اتجاه عملية السلام الحقيقي، ولا حتى المونة على هذه الحكومات للدخول في محادثات مباشرة.
اما على الصعيد الايراني، وبعدما جنحت تسريبات طائشة الى تحديد "ساعة الصفر" تبيّن ان الامر لا يعدو كونه "خطأ" في التفسير او التقدير. من غير ان يلغي ذلك الازمة الكونية بين طهران وثلاثة ارباع العالم.
الا ان ذلك لا يمنع من القول والتأكيد ان "زمن" الحروب اللبنانية قد ولى والى غير رجعة، وان الحروب في المنطقة لن تكون نزهة بالنسبة الى اي دولة او فريق.
من هنا الرهان على ان تمرّ غيوم التهديد بالمنطقة من غير ان تمطر حروبا.