#dfp #adsense

لماذا الرفض الإنفعالي؟

حجم الخط

عندما تقدَم الدكتور سمير جعجع بورقته الى هيئة الحوار والتي تضمَنت بندا أساسيا على مستوى الإستراتيجية الدفاعية تمَ تبيَن أمرين هما: المرونة لدى رأس الرمح الأستقلالي، وردَة الفعل الأنفعالية غير المبررة لدى "حزب الله". من هنا ينبغي توخَي القراءة المتأنيَة للموقفين، وذلك للوصول الى إيجاد تقاطع يمكن البناء عليه، مع العلم أنَ التقاطع هذا موجود نظريا. أمَا الإشكالية فتبدو بوضوح في أسباب السلبية المتطرفة التي أبداها ممثَل "حزب الله" في الهيئة الحوارية النائب محمد رعد.

اذا انطلقنا أولا من مفهوم الحوار الذي يعني في الأساس الإعتراف بالرأي الآخر، وعدم التعنَت، والإبتعاد عن فرض الموقف وإلزام الآخر به بالقوة، نستطيع أن نفهم تماما هذه المرونة التي ظهرت في الورقة القواتيَة. فالدكتور جعجع الذي لطالما كان من أكثر المطالبين بنزع كل سلاح غير سلاح الشرعية عن ارض لبنان ايمانا منه بفرض سيادة الدولة على مساحة الوطن، وهذا الأمر يشكَل ثابتا استراتيجيا في فكر حزب "القوات اللبنانية" لا يتزعزع، نراه في الورقة يتعاطى مع هذا الثابت بموضوعية وواقعية. انه يعي تماما أنَ طرح نزع سلاح الحزب يعني تأجيج مواجهات غير محسوبة العواقب، يمكن أن تأتي على الكيان برمَته. وهو يعي في الوقت ذاته أنَ التغاضي بالكامل عن وضعية هذا السلاح، يعني انهيارا لمفهوم الدولة.

من هنا، شكَلت ورقة الدكتور جعجع قاسما مشتركا بين النقيضين، فلم يضيَع القضيَة تحت عامل الخوف او المداهنة، ولم يعرَض البشر والحجر لخطر وخيم. هذه "الوسطية " الموضوعية يمكن أن تؤسس لاحقا لتفاهم بشأن حل جذري لقضية لم تزل شائكة حتى هذه اللحظة، بالأضافة الى أن التطور الميداني المتمثل بحادثة الحدود الجنوبية، والتي أظهر الجيش اللبناني فيها تقدما نوعيا عندما واجه أعتى جيوش المنطقة، قد دفع بالدكتور جعجع الى مطالبة المتحاورين بدعم الجيش وتعزيزه لكي يتسلَم وحده مهمة الدفاع عن الأرض والشعب – وهذا هو دوره الوطني البديهي – مدعوما بقدرات "حزب الله" الذي يتلقَى أوامر حراكه من القيادة العسكرية وحدها.

اما من جانب "حزب الله"، فالمستغرب هو هذا الموقف "السريع" والأنفعالي الذي قوبلت به ورقة حزب "القوات". فإذا سلَمنا جدلا بأنَ الهدف من امتلاك الحزب للسلاح هو الدفاع عن أرض الوطن، وقد أعلن ذلك مرارا امينه العام، فليس هناك من مبرَر للاعتراض على أن يكون سلاحه بإمرة الجيش الذي يجعل من هذا الهدف أولويته المطلقة. أن الغاية في هذا المجال، هي أكثر أهميَة من الخطط التكتية أو الاحتكارية المواجهة أو الأستغلال الشعبوي، بالاضافة الى ان الجيش الذي يتكوكب حوله كل الشعب ويحصَنه، مكتسب للشرعية الدفاعية التي تلزم المجتمع الدولي الاعتراف بها وبالتالي ادانة اسرائيل اذا نفَذت أيَ اعتداء يطال هذه المؤسسة. والأمر يختلف مع حيثية "حزب الله" الذي يصنَف من جانب بعض الدول بالحالة الأرهابية. أما الأنفعال السريع فيدعو الى أعادة النظر في طبيعة الأهداف التي يعمل "حزب الله" على خدمتها. من هنا، نستطيع أن نعي التسويف الذي يمارسه الحزب في موضوع تزويد طاولة الحوار بورقته المتعلقة بالأستراتيجية الدفاعية، وعدم موافقته على أن يكون سلاحه بإمرة الجيش، ذلك لأن الأجندة التي يلتزم بها ليست داخلية على الأطلاق. فلو سلَم الإمرة للجيش وتعهَد الألتزام، ونشبت حرب أقليمية مثلا بين اسرائيل وايران، فهل يستطيع الحزب ان يضرب التزامه بعرض الحائط بمجرَد أن يتلقى أمر التحرَك الميداني من الوليَ الأيراني؟ هذا الأمر سيهزَ مصداقيته الوطنية وصورته المقاومية. كما أن تسليمه أمرة السلاح للجيش، يمكن أن يكون مقدَمة لتسليم السلاح بالذات في الآتي من الأيام، وهذا أكره الحلول بالنسبة اليه، لا سيما وأنَه يلوَح به أو يستخدمه في وجه شريكه في الوطن كلما دعت الحاجة الى ذلك. فهل يتخلَى طائعا عن وسيلة جلبت له الفائدة ولغيره الويل؟

كان على "حزب الله" أن يتعاطى بايجابية مع ورقة الدكتور جعجع ويمنحها قراءة هادئة ليبدَد صورة رسمها بالأمس في أذهان الناس، وهي أنَه يفرض ولا يفرض عليه. وكأنه لم يعرف أن الأنسان يقضي سنتين من عمره ليتعلَم التكلَم، ويقضي بقيَة حياته ليتعلَم الإستماع.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل