#adsense

الذكرى 28 لاستشهاد بشير

حجم الخط

في بداية الحرب، وقبل سقوط مخيم تل الزعتر، كانت المناوشات بين المخيم، وبين جيرانه في الدكوانة وسن الفيل تدور على نحو متقطع أحياناً وعنيف احياناً اخرى، تبعاً للرسائل التي كانت القيادات الفلسطينية المتعددة تريد توجيهها الى السلطات اللبنانية، ولا تجد الى ذلك سبيلاً سوى عن طريق «تخصيص» المناطق السكنية المحيطة بالمخيم بعدد من زخّات الدوشكا، وقنابل الهاون وصواريخ الـ «ر.ب.ج» ناهيك عن عمليات القنص القاتلة، وكان معظم هذه العمليات يتم في خلال الليل.

في ذلك التاريخ، كنا اشقائي وانا نساعد المرحوم والدي في اصدار جريدة «الدنيا» التي كانت تصدر ظهر كل يوم، وكان الزميل حسن يونس ـ الذي اتمنى أن يكون بخير لانني لا أعرف عنه شيئاً منذ زمن طويل ـ مكلفاً الاتصال باطراف النزاع لمعرفة رواية كل طرف عما جرى في أثناء الليل، وذات صباح تمنى حسن على مدير التحرير ـ شقيقي حكمة ـ ان يتصل احد غيره بالمرحوم الشيخ بيار الجميّل، لأن ليل الدكوانة وسن الفيل كان حامياً، ما قد ينعكس على اتصاله بالشيخ بيار، فكلفت انا بهذه المهمة واتصلت بالشيخ بيار وعرفته عن نفسي، فأكد لي استشهاد مدني وتضرر عدد من المنازل «وعلى كل حال سأترك لبشير ان يعطيك التفاصيل» وهكذا كان، وفتح ذلك الاتصال الباب لاتصالات شبه دائمة مع الشيخ بشير، للاطلاع منه على كل تطور وجديد، واستمرت هذه العلاقة على تقطع تبعاً لظروف بشير الامنية والسياسية وتوقفت بتوقف الحياة في رجل الحلم، الذي تحوّل استشهاده الى كابوس، ما زال لبنان يعيشه حتى هذه الساعة.

كنت في ذلك الزمن اقرب الى اليسار مني الى اليمين، وكان بشير يعرف هذا الواقع، الا ان اغتيال الرئيس بشير الجميل ورفاقه بهذه الطريقة الوحشية الدنيئة، وما تعرض له اليساريون المسيحيون في المناطق «الوطنية» من قمع وقتل على الهوية، جعلاني اكتشف زيف الشعارات والأهداف وكذبها، التي كان يطلقها الفلسطينيون والمتعاونون معهم من اللبنانيين، خصوصاً ان طروحات بشير والخطة التي وضعها لحكمه المقبل، والاهداف التي حددها للنهوض بالوطن. وبناء الثقة بين جميع اللبنانيين، والانفتاح على العالم العربي من ضمن التمسك بالسيادة والاستقلال والقرار الحر، ومحاربة الفساد، وتقوية الجيش عدة وعدداً، كانت في الحقيقة اهداف الاكثرية الساحقة من اللبنانيين، باستثناء قلّة عميلة مرتبطة بمخططات الخارج للقبض على لبنان، وهذه القلة العميلة رأت ان افضل وسيلة لقتل الحلم اللبناني ببناء دولة قوية حرة سيدة هي بقتل صاحب الحلم رئيس الجمهورية المنتخب القادر على تحقيق هذا الحلم، «فقتلوا شلّت ايديهم»، الرئىس بشير الجميل.

هؤلاء القتلة، لا يتحمّلون وحدهم قتل الحلم وقتل بشير الجميل، فشجاعة بشير وقدريته، وصلابته، وعناده، معطوفة على تقصير جهازه الامني، وجهاز حمايته الشخصية، وعدم اخذ التدابير الكفيلة بنبش الارض والسماء في حلّه وترحاله، تتشارك ايضاً في قتل الحلم والفرصة السانحة لاستعادة وطن من ايدي الطامعين الطامحين، والسنوات الثماني والعشرين العجاف التي مرّ بها لبنان وما زال، منذ استشهاد بشير، هي الدليل على ان مخططي اغتيال بشير قد نجحوا في مخططهم، فهم قتلوا بشير الحلم وقتلوا معه قيامة لبنان.

هل يعني هذا القول، ان لا امل بعد بقيامة لبنان؟ بالطبع لا، لأن الرجاء الذي هو حالة اساسية عند الانسان المؤمن، كفيل بشحن ارادات اللبنانيين بالعزم على تجاوز المحن والمصاعب والعثرات، والشهداء الذين سقطوا قبل استشهاد بشير ومعه وبعده، هم وقود الانتفاضة التي حصلت في 14 آذار 2005، وهم وديعة غالية في صدر من حمل الشعلة بعد بشير، وفي صدور مئات الوف الرفاق في القوات اللبنانية والكتائب. وفي صدور اللبنانيين المخلصين الاوفياء من مختلف الطوائف والمذاهب، وفي وجدان جينات زوجة الرئيس الشهيد وولديه نديم ويمنى، واذا كان بشير قد مشى طريقاً طويلة وصعبة ومأسوية ليصل الى مشارف تحقيق حلم الاجداد والاباء والابناء بوطن نهائي، فان رفاق الدرب الاحياء على هذه الخطى سائرون، ولا يمكن في النهاية أن يصحّ الا الصحيح.

اقلّ الواجبات ان تبادر الدولة لتكون سبّاقة في احياء ذكرى الرئيس الشهيد بشير الجميل اليوم، واحياء ذكرى الرئيس الشهيد رينيه معوض غداً يوم عيد الاستقلال، لتذكير اللبنانيين بتضحيات الشهداء من اجل لبنان، وللقول الى كل العالم ان وطنا يفتديه رؤساؤه بدمائهم هو وطن لا يمكن أن يموت.

المصدر:
الديار

خبر عاجل