لم يعد لدينا ادنى شك ان في "حزب الله" ازمة على هويته اللبنانية وكيفية ترجمة لبننته خصوصا بعد "التكويعة" الدموية التي سجلها الحزب في 7 ايار بتحويل البندقية من العدو الاسرائيلي الى الداخل اللبناني.
منذ ذلك الحين تتواصل فصول التأزم الداخلي الذي يسببه عند كل منعطف وطني "حزب الله" – فهو تعب ويتعب كل من حوله وبخاصة شركاءه في الوطن من مختلف التيارات والاحزاب السياسية والطائفية والمذهبية.
ان المعضلة التي يعيشها الحزب حاليا هي معضلة التوفيق بين دوره اللبناني مئة في المئة (ان وجد) ودوره الاقليمي الخادم للدور الايراني والمتكامل استراتيجيا وسياسيا معه – وفي هذا السياق نسجل الاتي:
اولا: لقد فوت الحزب ولا يزال كل مناسبة لاثبات لبنانيته الصرفة واخرها ورقة الدكتور سمير جعجع الدفاعية التي قدمها الى طاولة الحوار في بيت الدين – وقبلها فوت الحزب فرصة لببنة سلاحه في العديسة عندما انبرى امينه العام وتحت شعار "حماية الجيش" ينقلب في اقل من ساعات على جهود الجيش وما كسبه دوره في المواجهة من هالة دولية – ليضع معادلة ان المقاومة تحمي الجيش – وكأن الحزب يريد بذلك اجهاض صورة المواجهة بين جيشين نظاميين ويريد بالتالي بقاء قرار الارض في الجنوب ملكا للحزب بالدرجة الاولى – فيومها لو سكت سماحة السيد بعد اعلانه عن وضع المقاومة وجهوزيتها بكامل تصرف الدولة اللبنانية ولم يضيف اي كلمة لما كان ترك انصباعا جيدا لدى اللبنانيين بتعقل المقاومة والفكر المقاوم واصطفافه خلف الجيش والقوى الشرعية في المواجهة – لكن اضافته بان المقاومة تحمي الجيش سرعان ما عادت وافرغت كلامه الاول من مضامينها – لانقاذ ماء وجه المثالثة العجيبة (جيش وشعب ومقاومة) .
ثانيا: هإن الحزب يرفض اليوم الورقة الدفاعية للدكتور سمير جعجع التي لو قرأوها جيدا في الحزب بعيدا عن الانفعال والرفض الاوتوماتيكي – لما وجدوا فيها ترجمة فعلية لموقوف ليس المقاومة بل كل الشعب وراء الجيش بكل ما اوتي الشعب من امكانات بما فيها سلاح المقاومة – دفاعا عن لبنان وحماية له من اي عدوان – ولكن الحزب ايضا وايضا فوت هذه الفرصة، ما يدفعنا الى اعادة طرح السؤال القديم الجديد: هل ان "حزب الله" فعلا يهمه الدفاع عن لبنان فقط؟
سؤال عاد ليطرح لدى اي مراقب انطلاقا من ردات الفعل الصادرة عن قيادييه كلما تعلق الامر بلبننة المواجهة مع اسرائيل – فـ"حزب الله" الذي لطالما ادعى انه موجودا لحماية لبنان والدفاع عن سيادته في وجه اي عدوان او غزو اسرائيلي – يتجلى اكثر فاكثر من خلال مواقفه المتناقضة على انه موجود لكن ليس فقط للبنان بل للاخرين على ارض لبنان – وتحديدا النظام الايراني وحليفه النظام السوري.
فكأن الحزب لا يطيق ان يرى جيش لبنان القوي يتولى الدفاع عن لبنان وسيادته وسلامة اراضيه لوحده من دون شريك ..
وكأن الحزب تسؤوه استراتيجية دفاعية تعطي الجيش والقوى الامنية الشرعية الدور الاول في مواجهة اسرائيل … الى جانب الشعب كل الشعب …
وكأنه يريد من جهة اقناع الرأي العام بأنه مقاومة لبنانية من دون ان يستطيع الخروج او التحرر من أجندته الاقليمية ودوره التنفيذي في زعزعة الوضع الاقليمي ان تطلبت ذلك المصالح الاقليمية المتحالفة معه…
ثالثا: ان هذه الضبابية في مواقف الحزب من الاستحقاقات الاسرائيلية ومن موضوع المقاومة ومواجهة اسرائيل والتسلح المفرط على حساب الوطن والقوى الشرعية – تجعلنا اكثر فاكثر في موضع الريبة والشك من حقيقة برنامج الحزب ومقاومته – فان كانت مقاومة من اجل لبنان فورقة الدكتور جعجع خير ما يأمن تضافر كل القدرات والامكانات في دعم سلطة الجيش ودور الجيش الوطني في الدفاع عن لبنان …
اما اذا كانت تلك المقاومة من اجل الغير … فعلى الحزب ان يخرج عن رمادية مواقفه ويعلنها بصراحة للرأي العام بأن الدفاع عن لبنان ليس الاولوية لديه ان لم يكن ابدا اولوية اساسا في برنامج وجود وانشاء هذه المقاومة …
ان "الحزب" مكشوف سياسيا بعد اليوم بفعل تناقضه الغريب بين لبننته واقليميته – فلا يمكن ان يبقى لبنان الى ما شاء الله اسير هذه الرمادية وهذا التصلب في المواقف وفي فرض الامور وفق ما يرونه هم في الحزب وما يريدونه تحت طائلة التهديد بالقوة …
وبالانتظار فان احجامه عن تقديم تصوره للاستراتيجية الدفاعية على طاولة الحوار الى الان يبقى خير شاهد ودليل على الرمادية والتناقض الذي يعيشه فكر الحزب … ازمة دور بين ما يدعيه وما هو عليه فعلا …