#adsense

المكشوف والمستور في نووي الجار هل يمثل مفاعل بوشهر تهديدا حقيقيا؟ (د. جمال حسين)

حجم الخط

كتب د. جمال حسين في "القبس" الكويتية:

بعد إعلان مفاعل بوشهر رسميا وعمليا أنه أصبح نوويا بتزويد وحداته الـ 165 بالوقود النووي، ازدادت المخاوف الغربية والدولية بشكل عام، والتي تنحصر في إمكانية إيران من استخدام "المفاعل الروسي" لإنتاج البلوتونيوم القتالي. وهل تملك طهران التكنولوجيات والمعدات لتركيز اليورانيوم، وتوظيفه لأغراض عسكرية؟

في الأثناء، يؤكد المسؤولون ومن ورائهم الخبراء الروس على تقديم ضمانات 100% في أن الوقود الذي دشنوا فيه مفاعل بوشهر غير قادر على إنتاج البلوتونيوم القتالي، في حين يصر خبراء نوويون آخرون على أن محتويات البلوتونيوم – 239 لا تتجاوز وقود مفاعل "أف أف إي أر 1000" الذي قد تم استخدامه بنسبة 56.59 %.

ومن المعروف أن البلوتونيوم – 239 كي يصلح للأغراض العسكرية، ينبغي أن تكون نسبته أكثر من 93.5 % وفي أفضل الأحوال 97 %.
لكن هناك إمكانية "نظرية" لتحويل الوقود الذي قد تم استخدامه الى المواصفات القتالية، غير أن ذلك يرتبط بصعوبات تكنيكية كبيرة، ويتطلب بناء مجموعة كبيرة من المصانع، الأمر الذي لا تستطيع إيران إنجازه، ومفاعلها تحت رقابة خبراء وكالة الطاقة الذرية الدولية.

المفاعل من الداخل
يستخدم مفاعل بوشهر من طراز "أف أف إي أر 1000" الماء الخفيف، وذلك للسيطرة على درجة حرارة المفاعل، وإبطاء النيوترونات ( في الوقود النووي).
وبشرح بسيط لقواعد عمل مفاعلات الماء الخفيف: يتم تسخين الوقود النووي في البداية ضمن دائرة مكيفة، بحيث تنحصر الحرارة في الدائرة الأساسية، ومن ثم تسخن دائرة ماء ثانية ستنتج البخار الذي سيشغل التوربينات التي تولد الكهرباء.

المقارنة مع تشيرنوبل
ولابد من الإشارة إلى أن مفاعل بوشهر مختلف كليا عن مفاعل تشيرنوبل الذي انفجر في أوكرانيا عام 1986، وكان من طراز "آر بي أم كي"، لأن المفاعل الايراني مغلف بالكامل بخرسانة هائلة، بالإضافة إلى غلاف احتواء فولاذي غاية في الصلابة، وهو مصمم لمنع تسرب الإشعاعات الملوثة للبيئة، بحيث هناك طبقات في الغلاف الفولاذي تزود بتلك الحماية.
ويوجد في مفاعل بوشهر عنصر مهم للتأمين، وهي قدرته على إيقاف أي تأثير لانفجار يحدث من الداخل أو الخارج حسب أحد المقيمين الروس.
للإشارة وحسب، أن العالم الغربي استغل ما حصل لمفاعل تشيرنوبل سياسيا في أتون "الحرب الباردة" مع الاتحاد السوفيتي السابق، ولم يطلعوا الرأي العام على ما حصل علميا وتكنولوجيا، فالذي جرى في ذلك اليوم، كان نتيجةَ خطأ بشري حدث خلال إجراء اختبار نظام تبريد تجريبي على أحد مفاعلات تشيرنوبل، وتسبب في زيادة درجة حرارة المفاعل، ما أدى إلى انفجاره وقذف إشعاعاً على معظم أوروبا.

مفاعل يحمي نفسه
ولأن طهران تعرف أن مفاعلها مستهدف علنا، وقد يتعرض لضربة صاروخية أو جوية، ولكونها اعتمدت على روسيا في بناء مفاعلها الأول، فهذا يعني أن الطرفين أمنـّا المفاعل في حال تمكن قاصفات من اختراق الدفاعات الجوية الإيرانية، بحيث يستطيع المفاعل حماية نفسه.
بداية، سيتوقف عن العمل في حالة حصول انفجار (من الداخل أو الخارج كما أوضحنا)، ثانيا أن لغلافه الفولاذي والخرساني قدرة على صد أي ضربة لمقاتلة جوية، وأن ما تستطيع أي غارة جوية تصيبه إصابة مباشرة، اختراق متر خرساني واحد، حسب مصد روسي مطلع، وسيبقى لحماية المفاعل بضعة أمتار خرسانية أخرى، فضلا عن "المركبة الفولاذي" التي تغلفه.

ماذا لو ضربه الزلزال؟
لقد صمم مفاعل بوشهر لمقاومة الزلازل التي تضرب إيران عادة، وروعيت هذه الحالة بعناية من قبل "روس إنيرغي آتوم" التي صممت المدينة النووية الإيرانية بتأكيد خبير روسي.
وأعدت مؤسسة الطاقة الذرية الإيرانية دراسات كثيرة حول إمكانية تعرض المفاعل النووي للزلزال ومعالجة ذلك. علما أن روسيا تجاوزت تكنولوجيا بناء المنشآت وحمايتها من الزلازل منذ الستينات.

السلامة النووية
إن مبادئ السلامة النووية التي اتبعتها روسيا في مفاعل بوشهر ناتجة عن "ثقافة الأمان النووي" التي انتشرت في العالم ومؤسساتها بالأخص، بعد حادثة تشيرنوبل، بحيث أصبح مبالغا فيها، وتصل إلى المثالية في التصاميم والتنفيذ. وشهد مفتشو وكالة الطاقة الذرية على حسن نظام التغذية ومهارة التدريب الذي تلقاه العاملون في مفاعل بوشهر في كل التقارير التي رفعت إلى الأمم المتحدة (وتغاضت واشنطن وتل أبيب عن ذكرها في غضون هجماتها على ايران)، كما امتدحوا نظام الطوارئ للمفاعل، وعدوه مناسبا جدا لشروط السلامة النووية في المستويات الدولية.


ما تحتاجه إيران الآن

إذا كانت إيران تنوي تصنيع أسلحة نووية، فهي بحاجة لـ"مواد نووية" صالحة للأغراض العسكرية، وينتسب إليها اليورانيوم والبلوتونيوم المفرز من نفايات وقود المحطات الكهروذرية. وكذلك هي بحاجة الى أدوات التفجير العالية التكنولوجيا. وبقدر ما كان جزء آلة التفجير غير النووي أكثر اكتمالا، تقل الحاجة الى المواد النووية الضرورية.
واستنادا إلى التطمنيات الأميركية لإسرائيل قبل أيام، في ان ايران غير قادرة على تصنيع قنبلة نووية خلال عام، تكون واشنطن اعتمدت على ان المواد العالية التركيز، والصالحة للتفجير النووي "تتواجد في مركز أصفهان بمقدار 900 غرام يورانيوم عالي التركيز"، وهذه الكمية غير كافية لتصنيع آلة التفجير النووية، لأن الأمر بحاجة الى ثلاثة كيلوغرامات على الأقل للحشوة القتالية الواحدة.


الخشية من العمل السري

غير أن "الدول القلقة" من مشروع إيران النووي – العسكري تعتقد أن طهران ربما نجحت في غضون عقدين من العمل على تركيز اليورانيوم في مشاريعها السرية في جامعة شريف التكنولوجية، و منجم اليورانيوم في ساجان، رغم زيارة مفتشي وكالة الطاقة الذرية للموقعين المذكورين، وإعلانهم براءة إيران.
ولعل المسؤولين الإيرانيين (وفي مقدمتهم الرئيس أحمدي نجاد)، ساهموا في لعبة توتير أعصاب القلقين، بكشفهم بين الحين والآخر "نجاحات"مشاريعهم المخصصة لتركيز اليورانيوم وتشغيل أجهزة الطرد المركزي. وهذا يعني ان ايران تركز بالفعل اليورانيوم بواسطة هذه الأجهزة.

أجهزة الطرد والوقود النووي
ولكن يعتقد الخبراء الروس بان ايران لا تملك البنية التحتية النووية المتطورة، وليست لديها القدرة على تركيز اليورانيوم بواسطة أجهزة الطرد المركزي. وليست هناك التكنولوجيا اللازمة لتركيز اليورانيوم بطرق كيميائية. ويرون أن طريقة تركيز اليورانيوم بواسطة الليزر ليست في متناول يد الإيرانيين.
أما إذا حاولت إيران استخلاص البلوتونيوم القتالي من محطة بوشهر النووية، فهذا يتطلب كمية كبيرة من الوقود الذي لا يمكن الحصول عليها إلا من المحطات الكهروذرية الصناعية (المتخصصة في معالجة اليورانيوم، وليس على طراز بوشهر الموجهة لتوليد الكهرباء).

النفايات النووية
وحتى لو فكرت إيران باستخدام النفايات الناتجة عن محطة بوشهر الكهروذرية لإنتاج البلوتونيوم القتالي، فان روسيا والمجتمع الدولي قيدوها بعدة بروتوكولات في إعادة تصدير نفايات الوقود إلى روسيا، تحت إشراف وكالة الطاقة الذرية.
تاليا، لا طريق أمام إيران لاستخلاص البلوتونيوم القتالي (تم إهمال التهريب والتجارة غير الشرعية كعناصر ممكنة، كونه ليس من اختصاص مقالنا)، سوى التضلع في تطوير صناعتها الكيميائية النووية. أي بتطوير قدرتها على تحقيق التفاعلات الكيميائية بحد ذاتها في استخلاص البلوتونيوم.
ومع ذلك، كيف ستستطيع تحويله الى معدن ثابت وإضفاء الشكل اللازم عليه، أي جعله صالحا للأهداف العسكرية. وإذا لم تبن المحطات الكهروذرية، فيمكن استبعاد طريقة تصنيع قنبلة البلوتونيوم باستخدام مواد إيران النووية الخاصة.


سوء الفهم العام

ان القاعدة الفيزيائية الأساسية التي أغفلها أكثر السياسيين قلقا، هي: لا يعني أن يكون لديك مفاعل نووي مثل الذي موجود في بوشهر، لكي تستطيع تصنيع المواد النووية القتالية. لأن تصنيع الجزء غير النووي لآلة التفجير النووية لغرض استخدام ذلك للأغراض العسكرية بحاجة الى توافر معدات معاصرة، وصناعة متطورة ثقيلة وإلكترونية.
وهنا يمكن فهم التلميح الاميركي إلى ان ايران قد تفعلها بعد عام من تشغيل بوشهر.


المكشوف والمستور

إن عملية تدشين مفاعل بوشهر جرت أمام أنظار العالم، وبالأخص مراقبي وكالة الطاقة الذرية، وأن الـ 82 طنا من الوقود النووي جلبت من روسيا بإشرافهم، ووضعت في حوض مفتوح جوار المفاعل على مرأى الجميع، وسيتم ضخها في القضبان النووية الـ 165 بمعدل ساعة لكل وحدة، أي ما يستغرق 7 – 8 أيام تحت رقابة مكثفة، ليعمل المفاعل بأكثر من نصف طاقته لغاية مطلع نوفمبر، حيث يربط بشبكة الكهرباء الوطنية، ويبدأ بإنتاج 1000 ميغا واط المنتظرة.
ولكن هل يصدق العالم إن إيران أحدثت كل هذه الضجة من أجل ألف ميغا واط؟
وفق الرسميين الإيرانيين، فإن بلادهم تطمح إلى أن يصل إنتاجها إلى 20 ألف ميغا واط، وهذا ما يدفعها إلى عمليات تخصيب اليورانيوم بنسبة 20% لتأمين احتياجاتها، فالوقود الذي منحته روسيا في تدشين المفاعل يكفيها لمدة عام واحد فقط، ولا أحد يعرف ما الذي سيحل بإيران بعدها، لاسيما بعد تشديد العقوبات المفروضة عليها.
لكن مفاعل بوشهر صمم لأن يكفيه انتاج يورانيوم ضعيف بنسبة تخصيب %3,5، وهذه النسبة ستلبي احتياجاته، فلماذا الإصرار على نسبة %20؟
ومن مثيرات القلق أيضا، تأكيد إيران على بناء مصنع تخصيب ثالث لتشغيله العام المقبل.
من جانب آخر، وافقت روسيا، بلسان رئيس وكالة الطاقة سيرغي كيريينكو على تزويد إيران بالنظائر المشعة المستخدمة في المجالات الطبية. (النظائر المشعة المقصودة هي مادتا "موليبيدن 99 % ويد -131")، الأمر الذي سيزيد من القلق.

هل يشكل تهديدا؟
وفي كل الأحوال، سيكون العالم في الأسبوع الأول من سبتمبر أمام مفاعل نووي مجهز بالوقود، ومهما سعت إيران لاستخدامه لتصنيع البلوتونيوم، فهي لا تستطيع، لأن بوشهر بكل بساطة، غير مصنـّع لإنتاج البوتونيوم 239 ، علاوة على أن أي محاولة جانبية، سيكشفها خبراء الوكالة الذرية على الفور. وحتى نفايات الوقود سيتم إعادتها إلى روسيا، ولن تتمكن إيران من استخدامها.
هكذا، تبقى المخاوف "نظرية"، ومبنية على أساس الفهم العام وغير الدقيق، في أن أي مفاعل نووي يعمل بوقود، وأي وقود يمكن سحبه وإعادة استخدامه لتصنيع البلوتونيوم، لكن عمليا، من الصعب تحقيق ذلك في بوشهر.

المصدر:
القبس الكويتية

خبر عاجل