لم يكن تسليم "حزب الله" قرائنه الى المحكمة الدولية إشارة الى انضوائه في السياق القضائي لمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، بل هو محاولة لاستخدام هذا السياق في الترويج الشعبي لرؤيته اليها.
حتى أمينه العام لم يخفِ كونه يخوض معركة كسب الرأي العام اللبناني والعربي والدولي، لكن ليس من طريق إثبات البراءة، بل عن طريق إقناع هذا الرأي العام بـ "المظلومية"، ولو اقتضى الأمر تسمية النهار ليلاً برغم شمس الظهيرة الساطعة، وتكرار القول بذلك حتى يشك أصحاب الرأي السليم في ما هو مسلّم به وأكيد.
من يتابع الغسل الممنهج للمفاهيم، العام منها والخاص، في الخطاب السياسي للحزب، لا يغيب عنه الطَرْق الدائم على عناوين وتسميات معينة، بمضمون لا يتطابق معها، لحرف الرأي العام الى اتجاهات محددة. فالقرار الاتهامي المنتظر هو قرار ظني، وأصحاب الإفادات التي وصفتها المحكمة بأنها أدلة غير كافية، هم شهود زور، وأي تعريف قضائي يخالف قولهم هذا " سخيف جداً" ولو أكده الفقيه القانوني دالوز.
يتعرض الرأي العام، الذي يتوجه اليه الأمين العام وحزبه، لإعادة صوغ، ترسخ لديه خطوط رؤية للأمور تتشابك ببطء وهدوء ليضعه حائكوها، في اللحظة المناسبة، أمام حقيقة لا يراها غيرهم، ممن لم يشمله إعادة "العجن".
من ذلك، وصف طلب مجلس الوزراء من وزير العدل "متابعة الموضوع (شهود الزور) للحصول على ما يتوافر من معلومات" بأنه إقرار بأن الأشخاص المعنيين هم "شهود زور"، للوصول إلى الاستنتاج أن "ذلك يفتح باب الأسئلة الكبيرة على السنوات الماضية والفريق الحاكم".
ومن ذلك أيضاً القول بـ"أن قضية شهود الزور أخذت البلد 4 سنوات إلى الفتنة". ففي التعبير عنوان سياسي يريدنا صاحبه أن نأخذه دوغمائياً، بلا مناقشة، ليصبح مسلَّمة في رؤيتنا للحياة الوطنية، نبني عليها مراجعة للفترة الماضية.
هذه "الأربع سنوات" تشمل أساساً إقفال مجلس النواب واحتلال وسط بيروت، وما ترتب عليه من إقفال مؤسسات تجارية متنوعة وفرض البطالة على آلاف العائلات. كما تشمل هذه "الأربع سنوات" حصار السرايا الحكومية، ومحاولة تعطيل السلطة التنفيذية، بعد فشل محاولة تعطيل ولادة المحكمة الدولية.
يريد صاحب هذا العنوان ان يسلم اللبنانيون بأمرين: أولهما أن تهمة "الزور" ثابتة ولا تحتاج إلى محكمة تؤكدها. وثانيهما إقناع اللبنانيين بأن جرائم 8 آذار في حق السلم الأهلي والتي توجت بـ"يوم مجيد" في 7 أيار، لم تكن لتقع لولا شهود الزور.
في الأمرين ما يوحي الهزل في معرض الجد. لكن أليس شر البليّة ما يضحك؟
مثال آخر. سؤال بريء في المظهر، مفعم بالدهاء في المضمون: "ما هي المصلحة الوطنية في الدفاع عن اسرائيل (إلحاقاً باتهامها باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري)"؟
سؤال يندرج في نهج الحِكَم (جمع حكمة) التي يطلقها الطرف السياسي عينه، وصيغته تبطن دعوة عامة الى الاقرار بأن بين اللبنانيين من يدافع عن اسرائيل. لكن صاحب القول لا يريد الآن الدعوة إلى تنفيذ حكم الإعدام بهم، بل يوحي بأنه يودّ التعامل معهم بعقل ومحاججتهم في المصلحة الوطنية التي يرونها في دفاعهم عن اسرائيل.
استنكاف الغالبية الشعبية والسياسية عن الدخول في زجل سياسي مع هذا الضرب الممنهج من الاعلام السياسي، جعل أصحابه يتمادون في ساحة تبدو لهم شاغرة، فيخلطون الغث بالسمين من الآراء، علَّهم يعيدون قولبة الرأي العام وفق حاجاتهم وخدمة لأهدافهم. يساعدهم أن لا أحد انبرى لسؤالهم أين وكيف دافع لبنانيون عن اسرائيل، وفي أي وسيلة إعلامية ظهر هذا الدفاع؟ وفي أي مناسبة تجلَّى؟
هذا الغيض من فيض قولبة الرأي العام يدعو إلى خوف مما خفي: هل هو تحضير اللبنانيين لانقلاب على التفاهم القائم، في الحكومة، والشارع، في الوقت المؤاتي لتفجير مزمَع؟