الهمس الدائر عن احتمال حصول محادثات أو مفاوضات أميركية إيرانية لا يزال يحبو لكنه يؤشر الى تطلعات رسمية مستجدة لدى قيادة الجمهورية الإسلامية مختلفة عن سيرتها المعهودة مع "الشيطان الأكبر" منذ أكثر من ثلاثة عقود.
قبل أيام معدودة، نُقل عن المرجع الأعلى السيد علي خامنئي وضعه شروطاً للحكي مع إدارة باراك أوباما لا تنفصل عن المستجد السالف الذكر، إذ إنه طالب برفع العقوبات الاقتصادية والمالية مقدمةً لا بد منها لأي تفاوض، مع أنه هو شخصياً كان السد المنيع أمام أي تفكير باعتماد ذلك الخط مع الأميركيين، محذراً على الدوام من مؤامراتهم الخبيثة ضد الثورة الإسلامية… والحكي والتفاوض معهم لن يفعل شيئاً سوى الاستسلام لذلك الخبث الاستكباري!
رافق كلام المرجع الأعلى أمران هما الأبرز راهناً: الأول دخول العقوبات (شبه الشاملة) مرحلة متقدمة في سياق تفعيلها، والثاني تدشين محطة بوشهر الكهروذرية.
وبرغم كل كلام آخر يأتي من مفردات وأدبيات الثورة وأفعالها ووعودها الخلاصية والنجّادية، فإن تأثير تلك العقوبات سيبدأ في الظهور في غضون أسابيع قليلة. وليس هيناً بهذا المعنى، أن تضطر ثورة المستضعفين الى رفع الدعم عن البنزين والخبز في بلد يضم من ضمن 80 مليون نسمة، نسبة عالية من هؤلاء المستضعفين المحتاجين بالفعل لذلك الدعم.
ليست هيّنة ولا بسيطة إشارات التحوّل في المزاج السياسي الإيراني بغض النظر عن أسبابه أكانت العقوبات أم التوجّس من احتمال وصول أهل تلك العقوبات في الغرب والشرق الى قناعة موحّدة تجعل كلفة أي حرب لتدمير الطموح النووي أقل من كلفة السكوت عن وصول ذلك الطموح الى مبتغاه… بغض النظر عن كل ذلك، فإن ما يعنينا من الأمر هو الانعكاسات المباشرة علينا في حالتي الحرب والتفاوض.
في الحالة الأولى لا داعي لشرح ما هو واضح وبيّن ومقروء لجهة الآثار السلبية التدميرية لأي نزاع مفتوح ستكون إسرائيل جزءاً منه ولا شك.. أما في الحالة الثانية، فإن احتمالات الصفقة الشاملة أو شبه الشاملة التي تعني أحوال أفغانستان والعراق و"حماس" ولبنان و"حزب الله" وغير "حزب الله".. تلك الصفقة ستعني تغييراً جذرياً في الأوضاع القائمة راهناً وفي بعض التوقعات المرتقبة بالنسبة الى لبنان؟!
لذا ربما يطلب من يطلب تأجيلاً لقرار ظني! ولذلك ربما يراهن البعض على ذلك الاحتمال على الآخر.. ويطرح في مقابله بديلاً يذهب بدوره الى الآخر أي الى الكارثة ومشتقاتها.
.. أقصى الأمنيات والآمال أن تصل المنطقة الى بؤرة خضراء تنهي يباساً ممتداً منذ أجيال وأجيال، وأقصى الأمنيات والآمال أن تتمدد تلك البؤرة باتجاه إشاعة مناخ واقعي ملموس ينهي أحلاماً آتيات من ازمات سحيقة ومتكئة على فرضيات تعدم الدنيا وما فيها، لكن في خضم كل ذلك، حبذا لو يخبرنا بعض أرباب الممانعة عندنا عن الاستراتيجية المعتمدة أو التي في طور الاعتماد عند المدار الإقليمي لهذا الخط الممانع؟
أعدكم بالأصالة عن نفسي، وبالنيابة عن عائلتي (أي أم رامز ورامز ورمزية وحفيدي رمّوزتي) بأن أكون، أو نكون جزءاً من تلك الاستراتيجية حرباً كانت أم تفاوضاً، لأن العدالة لا تقوم ولا تستقيم مع إبقائنا وحدنا في لبنان معلّقين على شمّاعة الاتهام بالوصل مع الأميركيين وتأييد التسوية العامة (وليس البيع والشراء) فيما غيرنا يؤطر كل طموحه في ذلك الاتجاه ويتباهى باحتمالات نجاحه؟ والعدالة لا تقوم ولا تستقيم مع جعلنا وحدنا في كل مرة ندفع فواتير ما يشتريه غيرنا دماً ودماراً؟
للعدالة مقياس واحد في كتب الدين والدنيا.. والله أعلم.