لقد فاجأنا الجنرال ميشال عون في خطبة الأحد في حراجل بقوله إن الجيش اللبناني يحمي البلاد. وهذا كلام رزين ومقبول، ويصبَ في خانة الخطاب الوطني والعرفان لدماء من سقطوا على درب الشهادة من ابناء المؤسسة العسكرية، لا سيما أنه صادر عن خرَيج من هذه المدرسة، تولَى قيادتها ردحا من الزمن. وكنا نتمنى لو التزم بهذه العبارة، لكُنَا صفَقنا وهتفنا له بكل ما اوتينا من جهارة صوت. ذلك لأننا لا نتعاطى مع الشخص، أي شخص، الا استنادا الى مواقفه، فاذا أصاب كنا اول الداعين له وإن أخطأ كنا آخر الداعين عليه. وهذه ذروة الموضوعية.
لكنَ الجنرال صاحب المفاجآت المدهشة، لا يعرف متى يتوقف، ولا يربط بين أفكاره في الخطاب الواحد أو الطلَة الواحدة، فيقع من دون أن يدري في فخَ التناقض. ولربما يُردَ هذا الأمر الى عامل السنَ أو التعب أو السكيزوفرينيا. نشير الى هذا، لأنَ الجنرال، وبلهجته "المحبَبة"، دافع عن سلاح "حزب الله" وأحقيَة مقاومته بشكل مستقلَ كليا عن وجود الجيش في ساحة المواجهة.
هذا الكلام يعني الاقرار بوجود جيشين في بلد واحد، لكل منهما قيادته واستراتيجيته وأوامره وقراره المستقل في شأن المباشرة بالحرب. وهذا واقع مستهجن لا وجود له في أي من بلدان الأرض. حتى أن حرس الثورة في أيران نفسها مرتبط بالقيادة السياسية للدولة ويتلقى أوامره منها. فما بال الجنرال ينسى لوهلة يتيمة ما وقَع عليه مع الحزب، لتستفيق في ذاكرته حيثية عتيقة، فتح لاوعيه لها باب البال، فانطلقت مسرعة الى مجال النطق علَها تفيد من غفلة صاحبها فتتملَص من أغلالها الى رحاب الأسماع، لتقول إن بمقدور هذا الرجل الا ينطق بالكفر، إن هو عاد الى أصالته. لكنَ الجنرال المصرَ على عدم ارتكاب هذا الخطأ – أعني العودة الى الأصالة – يستفيق على لوم نفسه التي سوَلت له الانحراف عن خطَ التبعية، فيسرع الى التكفير عن هذه الخيانة القاتلة بمديح مفوَه وانشاء مستفيض لتقريظ الجيش الرديف البديل وغير الشرعي. وليست هي المرة الأولى التي يتنكَر فيها الرجل للمؤسسة التي أطلقته. أذ تكفي الاشارة الى موقفه من اغتيال الضابط الطيَار على يد عناصر من "حزب الله"، وعن سابق تصوَر وتصميم، فالجنرال جرَم الشهيد المغدور وبرَر جريمة السفَاحين، معتبرا أنه لا يحق لطيَار في جيش لبنان أن يحلَق في أجواء لبنان الاَ اذا سمح له "حزب الله" بذلك.
أما عن السبب الذي يقف خلف هذا التناقض الفاضح، فليس التعب بشكل من الأشكال، فالجنرال استراح خمس عشرة سنة في أحضان الطبيعة الشانزيليزية التي وفَرت له الهدوء المؤاتي. كما أن السنَ المتقدَمة نوعا لم تمنعه من المضيَ قدما نحو تحقيق حلم الشباب لديه، فحتى الساعة هو يجد نفسه مؤهَلا لقيادة الجمهورية. فلم يبق اذا الاَ عامل الأنفصام الذهني. وهذا يعني في علم السيكولوجيا، الاضطراب أو التشوَش في موقف الشخص ازاء قضية ما، فيثبتها وينكرها في آن واحد. إن صراع الوعي واللاوعي في الذات يضعضع الأنا، فتصل في أحيان كثيرة الى حدَ الهذيان، وهكذا تنشأ فئة الحمقى في مجتمعات الناس. وهنا يحضرني قول مأثور لدى البوذيين: قد يكون الحمقى كبارا، لكنهم لن يكونوا أبدا عظماء.