في 8 آذار تأكيد بأنّ لا عودة إلى ما قبل تمّوز 2010
"لعبة التوتر" تكشف زيف المفاضلة بين العدالة والاستقرار
التناقض المفتعل بشأن المحكمة الدوليّة بين مقام العدالة ومقام الإستقرار مدعاة لعجب كثير. ذلك أنّه يخفي التناقض الحقيقيّ، الذي نتابعه يوماً بيوم، بأمّ العين، بين مناخات "التوتّر" ومناخات "الإستقرار". وما يقترح على اللبنانيين إلى الآن من لدن 8 آذار ليسَ إلا استقراراً مسنداً بلعبة التوتّر الخطابيّ والسياسيّ والمؤسساتيّ والأهليّ وأحياناً الأمنيّ المستمرّ بين صعود وهبوط.
فالإستقرار بالنسبة إلى 8 آذار يقوم على أساس التوتّر الدائم، لكن بشرط أن يكون هذا التوتر الدائم غير مستقرّ، بحيث يمكن أن يركن إلى منزلة "التهدئة" حيناً أو يباغت الجميع بتأزّم فجائيّ حيناً آخر، وأحياناً تتدخل عناصر التشويق والإثارة فيحتار الناس وهم يترقبون الإطلالات، بين من يتوقّعها "تهدويّة" وبين من يتحضّر لها على أساس أنّها "تفجيريّة".
والسؤال الملازم للعبة التوتّر الدائم غير المستقرّ هو هل تستمرّ هكذا لعبة على هذه الحال لشهور وشهور؟ هل يبدأ معدّل التوتّر بالإزدياد مجدّداً مع نهاية شهر رمضان أم انّ شبكة الأمان الإقليميّة حيويّة وناشطة بقصد الحدّ من هذا الإحتمال؟
أما السؤال المقابل فهو: ما ثمن الخروج من لعبة التوتّر الدائم، الصاعد حيناً والهابط حيناً آخر، خصوصاً إذا ما أيقن المرء أن التناقض قائم بين "التوتّر" وبين "الإستقرار" وليس بين "الإستقرار" وبين "العدالة" أو بين "الإستقرار" وبين "الإستقلال"؟
في 8 آذار من يريد أن يوحي بأنّ لا عودة إلى ما قبل معدّل التوتّر الذي تعرفه البلاد منذ شهرين، وبالتحديد أكثر منذ إثارة مسألة "القرار الظنيّ" الذي لم يصدر بعد، والذي لم يكتب بعد، والذي لم يتعيّن بعد تاريخ صدوره.
وبالفعل، فإنّ لعبة التوتّر الدائم الصاعد حيناً والهابط حيناً آخر لا مخرج تلقائياً منها، بل إنّ التفاؤل جلّه مرتبط بقدرة شبكة الأمان الإقليميّة على امتصاص الحدّة الخطابيّة الموجّهة ضدّ منظومة العدالة وضدّ المحكمة الدوليّة وضدّ الأكثرية اللبنانية المواظبة منذ خمس سنوات على رفع مطلب الحقيقة والوفاء لشهداء ثورة الأرز.
وبين التشاؤم بأنّه لا عودة إلى ما قبل تمّوز 2010 على صعيد التوتّر الداخليّ وبين التفاؤل بأنّ لا مجال لتجاوز شبكة الأمان العربيّة المتبلورة أيضاً في تمّوز 2010، يظلّ الوضع اللبنانيّ عموماً، ووضع التنظيم "الطليعيّ" في 8 آذار أي "حزب الله" خصوصاً، وضعاً مرتبطاً بجملة تحدّيات بالنسبة إلى سهولة الحركة. التحدّي الأوّل جنوبي مكرّس دوليّاً وهو القرار 1701. والتحدّي الثاني داخليّ مكرّس عربياً وهو "صلح الدوحة". في وسع "حزب الله" استنزاف الـ1701 و"الدوحة"، لكن ليس بمقدوره الخروج عليهما والإصطدام بهما. كذلك الأمر حتى الآن بالنسبة إلى المحكمة الدوليّة. يخوّنها ولا يقطع معها. وشيئاً فشيئاً هي حاله مع شبكة الأمان الإقليميّة حيث يتعامل معها بمزيج متضارب من المشاعر والمواقف.
وفي هذا السياق بالذات، تأتي لعبة التوتّر التي يقوم بها 8 آذار لتكشف زيف المفاضلة بين الإستقرار والعدالة، ولتكشف أنّ المفاضلة الوحيدة الممكنة والتي يجريها بالفعل معظم اللبنانيين هي تلك القائمة بين التوتّر من ناحية، والإستقرار من ناحية أخرى.