لم يعد المجتمع اللبناني يعبّر عن وحدته أو يتباهى بهويته الوطنية كسائر الشعوب، فقد اغتيلت روحه، وشُوهت ثقافته، ثم خُنق ضميره الحيّ، لذا تفشت بغزارة ظاهرة العملاء والجواسيس. الطوائف اللبنانية تحولت قبائل متناحرة يتنصت بعضها على بعض ويستقوي بقوة الغير، والأصوات الوطنية الصافية أضحت نادرة، واغتراب الشباب أمست هي القاعدة. غاية زعماء القبائل هضم نصيب طوائفهم، وإذا أمكن قضم حصّة الآخرين، ولو على حساب خراب الوطن. لقد أنشأوا محطاتهم التلفزيونية وبثوا فيها روحهم القبلية وحضّوا أنصارهم على اقتناء السلاح، ثم رفعوا رايات عشائرهم، وأعلاماً حزبية ترفرف فوق علم لبنان، غير آبهين ان القبائل المتناحرة لا تنتج وطناً، بل تمزّق خير الأوطان. لم يحترموا أبسط القواعد الانسانية التي تحرّم الغزو أو التعدي على حياة الناس وممتلكاتهم وحرياتهم، لكنك تندهش وأنت تصغي اليهم يطالبون بالحقوق الانسانية للفلسطينيين، وهم أنفسهم من نحروا الانسانية، وشنّوا المعارك الدموية فوق رؤوس اللبنانيين ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين. لذلك تتأفف منهم الأجيال الماضية وتلعنهم الأجيال الحاضرة ويحتقرهم كل الوطن!
لس من طبائعنا طعن المقاومة في الظهر ولا الغدر بالمقاومين ولا التخوين العشوائي للآخرين. ذاك أسلوب لا يليق بتاريخ كفاحنا الطويل او يتماشى ومضامين العروبة الأصيلة. فالبندقية التي يرفعها "حزب الله" اليوم، كان لنا شرف حملها بالأمس دفاعاً عن لبنان والثورة الفلسطينية ومجد الأمة العربية، يوم كان هناك مجد. بندقية مباركة لها منا كامل الاحترام والتقدير طالما انها تطلق نيرانها نحو العدو الاسرائيلي، كما فعل جيشنا اللبناني في عديسة، لا أن تسدّد رصاصاتها الى صدور اللبنانيين او تُستخدم لترويع الابرياء والمدنيين!
وإذا كان واضحاً ان حكومة الرئيس فؤاد السنيورة اتخذت في 5 ايار 2008 قراراً يحظرّ على المقاومة استخدام شبكة اتصالاتها السلكية، فلماذا سارع "حزب الله" الى اجتياح معظم المناطق اللبنانية بسطوة السلاح، عوض اللجوء الى القضاء اللبناني لمحاسبة اعضاء الحكومة الذين اتهمتهم بالتآمر على سلاح المقاومة؟ هذا القضاء الذي يطمئن اليه "حزب الله" كي يسلمه اشرطة الفيديو المصورة والقرائن حول ضلوع اسرائيل في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بل يطالبه بمحاكمة شهود الزور الذين ضللوا التحقيق. ثم بأية حجة تمّ التعدي على مجتمع آمن لا دراية له بما كان يدور من أسرار واتصالات خفية داخل جدران حكومة السنيورة. فهل كانت غاية "حزب الله" محاسبة المتهمين من أعضاء الحكومة أم بسط سيطرته السياسية والعسكرية على المجتمع اللبناني؟ وهل أصبح التأديب الجماعي مسلك "حزب الله" يمارسه على اللبنانيين دون أي تمييز، كالحصار الجماعي المفروض على الفلسطينيين في قطاع غزة؟ ثم لماذا التوعّد المتكرر بـ 7 أيار جديد أكثر عنفاً ودموية وقد خرج "حزب الله" من المعركة الماضية مشوّه السمعة أكثر مما شوهتها المبالغ التي رصدتها الولايات المتحدة لهذه الغاية في لبنان، تاركاً وراءه جراحاً عميقة بين السنّة والشيعة، جراحاً مذهبية مازلنا نحاول تضميدها وكأنها الجمر الذي لا ينطفئ تحت الرمادّ!
ليس مفهوماً لماذا تسرّع الرئيس سعد الحريري وكشف أمام السيد حسن نصر الله المعلومات التي في حوزته حول مضمون القرار الظني المترقب أن يتهم عناصر غير منضبطة في "حزب الله"، بدل انتظار المحكمة الدولية الاضطلاع بتلك المهمة؟ هل غاية الرئيس الحريري ادراك الحقيقة أم مساعدة "حزب الله" على تفادي القرار الظني في جريمة اغتيال والده؟ بل إن خطوة الحريري أوحت كأن قرارات المحكمة الدولية يمكن التاثير في مضمونها او انها مسيسة. ثم ألم يكن من الحكمة التزام الصمت حيال هذه القضية الحساسة والمعقدة، خصوصاً ان المحكمة الدولية سبق ان اتهمت النظام السوري بعملية الاغتيال، ثم اطلقت الضباط الأربعة، كما تقاعست عن الاستماع الى شهود الزور الذين وجهوا أصابع الاتهام نحو سوريا؟ أليست المحكمة بسلوكها الملتبس والمتردد هي التي عرضت صدقيتها للطعن؟ فلماذا أقحمنا الرئيس الحريري في تلك القضية الشائكة، في حين أن النزاع محصور بين الحزب والمحكمة؟
المعضلة الأساسية لا تكمن في ما سيصدر عن المحكمة الدولية من قرار ظني يطال من يطال، إنما في انعكاس تلك التهم على سلوك القبائل اللبنانية ولاسيما المسلحة منها. فالرأي العام السني ما زال غير متسامح مع "حزب الله" على أعماله العسكرية في 7 أيار، وإلا لماذا الخشية من اشتعال الفتنة؟ صحيح أن "حزب الله" هو الأصلب عسكرياً على الأرض وليست هناك قوة أخرى تنوي مواجهتها، لكن السيد حسن نصرالله يدرك ان ماكينة الاعلام الدولي التي كانت جاهزة عشية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ستنطلق فور صدور القرار الظني، مما يعني أن الاعلام سوف يشن حملات واسعة ضد "حزب الله" الشيعي، مصوباً على اتهامه بجريمة قتل زعيم السنّة في لبنان الشهيد رفيق الحريري. من هنا سيجد السيد نصرالله صعوبة بالغة في كسب تعاطف الرأي العام السنّي الى جانبه، بل لربما في أفضل الأحوال بروز حالة من اللامبالاة، باستثناء قلة ضئيلة تُعرف بالمعارضة السنيّة، تبين أنه من مصلحة "حزب الله" بقاؤها مشرذمة!
وإذا كان السيد نصر الله يرى أن هدف اسرائيل من القرار الظني تفجير المجتمع اللبناني عبر اشعال فتيل الفتنة بين القبائل والعشائر اللبنانية، فالرد يكون بإذكاء التناقضات داخل المجتمع الاسرائيلي بتسليط اعلام "حزب الله" على الصراع الثقافي والاجتماعي بين اليهود الغربيين (الاشكناز) واليهود الشرقيين (السفارديم)، لا بالتخوين العشوائي للبنانيين، بل إننا نتساءل: ما هي الرسالة التي يوجهها "حزب الله" للطوائف والمذاهب اللبنانية، سوى أن من يحمل البندقية يملك القرار. فهل بالترهيب يلتف الشعب حول المقاومة، او يدوم العيش المشترك أم ان الحزب يسعى من حيث لا يدري لإشعال الفتنة المقبلة؟ ثم ألا يتساءل السيد حسن نصرالله وقادة "حزب الله"، لماذا هناك إجماع وطني على سيرة الجيش اللبناني وانقسام شعبي حول مسلك المقاومة؟
إننا نأسف كون "حزب الله" كسائر طوائف لبنان عجز عن الارتقاء من الحالة المذهبية والقبلية الى الحالة الوطنية. صحيح أن القضية التي قاتل لأجلها "حزب الله" هي وطنية، إلاّ أن كل العناصر المستخدمة في المعركة كانت شيعية، بل مذهبية. واذا فكّر "حزب الله" في إسكات الأصوات الحرّة باستخدام بندقيته او بندقية حلفائه فيكون قد أدخل البلد في نفق الفتنة المميتة. إذ سينهض القسم الأكبر من الشعب اللبناني دفاعاً عن الحريات العامة قبل المطالبة بكشف الحقيقة، إلا إذا كان "حزب الله" يخطط لوضع قبضته الفولاذية على لبنان وربطه عبر شبكة سكة حديد تمتد من ايران الى لبنان مروراً بالعراق وسوريا، ثم تحويل لبنان الى شريان مالي تتنفس منه ايران، بعد أن قررت دولة الامارات التوقف عن أداء هذا الدور، مما يعني تحوّل لبنان دولة مواجهة مرتبطة بايران، بل دخول الطوائف والقبائل اللبنانية الجحيم من أبوابه العريضة!
لسنا ندري لماذا تمنع "حزب الله" طيلة السنوات الماضية عن وصف المحكمة الدولية بأنها مشروع اسرائيلي حين كانت التهمة محصورة بسوريا، مما يقودنا الى الاعتقاد أن الذي تمكّن من رصد طائرات الاستطلاع الاسرائيلية في سماء العاصمة وفك شيفرتها، لا بد من أنه على بيّنة بالجهات التي خططت عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ونفذتها بـ"طنين" من المتفجرات. فهل التغاضي عن فك شيفرة جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، أصبح شرطاً لازماً لئلا تسقط الجمهورية؟