“حزب الله” و”الأحباش”: تاريخ من العداء المكتوم ولا جامع بينهما سوى التحالف مع سوريا

صحيح أن الاشتباك المسلح الواسع الذي وقع في بعض أحياء بيروت ليل الثلاثاء الأربعاء بين مسلحي "حزب الله" وجمعية المشاريع الخيرية الإسلامية (الأحباش)، بدأ بإشكال فردي تافه، على خلفية ركن سيارة، إلا أن الصحيح أيضاً أن حجم الاشتباك وسرعة تطوره، وفداحة الخسائر البشرية والمادية، كشفت عن وجود احتقان شديد بين الطرفين، وعن نوايا عدائية مبيتة، على الرغم من التحالف السياسي المعلن بينهما، تحت يافطة المحور الإيراني – السوري.
وشرح مصدر حزبي مطلع لصحيفة "السياسة" الكويتية الأسباب السياسية والأمنية التي جعلت من حادث فردي بين التنظيمين المسلحين يتحول إلى حرب شرسة دامت ساعات عدة, أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى, وجرت خلالها عمليات خطف من داخل المنازل, والاعتداء على بعض الأملاك الخاصة والعامة.

أولاً: لم يكن للأحباش و"حزب الله" في يوم من الأيام علاقات تنسيق جدية. فالطرف الأول منذ نشأته كجمعية دينية، قبل تأسيس "حزب الله" بسنوات، في أواخر سبعينات القرن الماضي، كان يتمركز في بعض الأحياء السنية في بيروت, وخصوصاً في الطريق الجديدة، حيث كان يسكن مؤسس الجمعية الشيخ الحبشي عبد الله الهرري. ثم انتقل نشاط هذه الجمعية إلى مناطق سنية أخرى بدعم سوري. وعندما نشأ "حزب الله" في العام 1982 خاض صراعه الوجودي الأول مع طرف شيعي آخر هو حركة "أمل" في الضاحية الجنوبية. وكان من نتائج ذلك الاشتباك، الاصطدام أيضا مع الجيش السوري. ولاحقاً تمدد الحزب باتجاه بيروت على حساب حركة "أمل" أيضاً، ورغم إرادة المخابرات السورية.

ثانياً: نشأت علاقة توتر مكتوم بين الجانبين طوال فترة الوجود السوري في لبنان، ونظر الأحباش دوماً إلى تمدد "حزب الله" إلى مناطق شيعية مجاورة لمناطق انتشارهم، في أحياء البسطا وبرج أبي حيدر والنويري وزقاق البلاط وغيرها، نظرة ارتياب وترقب. ولكن مع الاتفاق الإيراني السوري على الإدارة المشتركة للوضع اللبناني في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، وتصالح "حزب الله" مع المخابرات السورية، عملت الأخيرة على تنظيم ورعاية العلاقة بين الحزب والجمعية، بشكل منع حصول إشكالات جدية بينهما.

ثالثاً: كما في كل المناطق الممسوكة أمنياً من المخابرات السورية، تعايش في بيروت الأحباش (وهم من أبناء المدينة) مع مسلحي "حزب الله" القادمين إلى العاصمة من الجنوب والبقاع وغيرهما، تعايشاً قسرياً، خصوصاً أن الخطابين الدينيين للطرفين الأصوليين، الشيعي والسني، يتناقضان بشكل حاد. وكانت حرب المساجد التابعة للجهتين من خلال الخطب والتجمعات تغذي الاحتقان الموجود أصلاً، وتزيد من الريبة والحذر لدى هذا الجانب وذاك.

رابعاً: مع ارتفاع مطالبة قوى المعارضة اللبنانية آنذاك (لقاء البريستول)، بانسحاب الجيش السوري من لبنان وانضمام تيار الرئيس الشهيد رفيق الحريري إليها، حركت سورية الأحباش فخرجوا في مسيرة اعتراضية قرب مسجد برج أبي حيدر (حيث جرى الإشكال الأخير) رافعين السواطير والعصي والسكاكين ومختلف الآلات الحادة، في رسالة سورية واضحة إلى الرئيس الشهيد، بأن "السواطير" هي البديل لوجود المخابرات السورية في أحياء بيروت، كما أنها كانت رسالة إلى "حزب الله" بأن البديل اللبناني لهذه المخابرات في المناطق السنية هم الأحباش وليس أحداً آخر.

خامساً: عندما أخرج "حزب الله" وحلفاؤه تظاهرة "8 آذار" الشهيرة العام 2005، وخطب الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله في ساحة رياض الصلح، لم يشارك الأحباش، وانكفأوا إلى منازلهم معترضين على قيادة الحزب لمعركة الدفاع عن الوجود السوري، ولشعار "شكراً سوريا".

سادساً: انسحب الجيش السوري من لبنان ومعه مخابراته، فغابت الرعاية السورية للعلاقة بين "حزب الله" والأحباش، وحصلت سلسلة تطورات ساهمت في تأزيم هذه العلاقة. في العام 2005 رفض "حزب الله" دعم مرشحي الأحباش للانتخابات النيابية (خصوصاً في بيروت) في مواجهة "تيار المستقبل" وقوى "14 آذار". وفي العام 2006 أثناء حرب يوليو اجتاح النازحون من الجنوب خصوصاً مناطق نفوذ الأحباش ومعهم عناصر "تنظيمية" لـ"حزب الله" تحت عنوان رعاية النازحين. وفي العام 2007 احتل مسلحو الحزب وحلفائه وسط بيروت في الاعتصام الشهير، وقاموا بسلسلة عمليات قطع للطرق دعماً للاعتصام، وكان الأحباش يراقبون غاضبين مناطقهم تتعرض للاعتداء، وصولاً حتى يوم 7 ايار المشؤوم في العام 2008 عندما احتل الحزب وحلفاؤه بيروت بالكامل.

سابعاً: رفض "حزب الله" بشكل قاطع التحالف مع مرشحي الأحباش في الانتخابات النيابية الأخيرة، خصوصاً في بيروت، لا بل أنه طلب من الجمعية تجنيد ماكينتها الانتخابية المنظمة والقوية لدعم لائحة لقوى "8 آذار" في مواجهة لائحة الرئيس سعد الحريري في الدائرة الأولى للعاصمة.

ثامناً: يكاد رفض المحكمة الدولية يكون القاسم السياسي المشترك الوحيد بين الجانبين، إلا أن "حزب الله" لم يبادر إلى التضامن مع جمعية الأحباش عندما سجن اثنان من قيادييها بتهمة التخابر مع رموز في أجهزة المخابرات اللبنانية والسورية يوم اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005. واليوم ترد الجمعية الجميل فتمتنع عن أي موقف متضامن مع "حزب الله" مع تحول الاتهام إلى عناصره.

وخلص المصدر الحزبي إلى القول: لا شيء يجمع "حزب الله" وجمعية المشاريع سوى التحالف مع سوريا، وكل شيء يفرق بينهما، من الانتماء الديني، إلى الموقف السياسي، إلى تاريخ من الصراع على بسط النفوذ في الأحياء والأزقة، وصولاً إلى الاقتتال المسلح. وقد كان لافتاً أنها المرة الأولى التي يلجأ فيها الأحباش إلى السلاح للدفاع عن مناطقهم، ولعلها إشارة إلى أن الكيل قد طفح من "حزب الله" وممارساته في بيروت، في وقت يتوعد مناصروه أهالي العاصمة بالفتنة، وفي لحظة ضعف تاريخية يعيشها الحزب نتيجة سقوط هالته وانحسار شعبيته في الأوساط غير الشيعية.

المصدر:
السياسة الكويتية

خبر عاجل