بالتزامن مع إطلاق الجولة الأولى من المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية المباشرة في واشنطن في 2 أيلول المقبل، تتسارع الأحداث في المشهد الإقليمي بوتيرة تنذر بالانزلاق نحو شرّ يتربص بجبهاته الموقوتة. فالمؤشرات السلبية تتراكم في المنطقة كلها، ومعها تتزايد احتمالات الانزلاق باتجاه التصعيد المبرمج وصولاً إلى الانفجار الكبير، ولا شيء يوحي بأن الحلول السياسية تتقدم. ولبنان لأسباب عديدة وتقاطعات معروفة ليس بمنأى عن تأثيرات ما يجري، مما يفرض عليه مقاربات لا تلغي أي احتمال مهما كان سلبياً.
والواقع أن ثمة أسئلة جوهرية لا بدّ من مقاربتها في ظل تطورات وتحولات دراماتيكية إقليمياً، تبدأ بانطلاق المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية المباشرة ومآلاتها، مرورا باكتمال الانسحاب العسكري الاميركي من العراق الذي لا تزال عملية تشكيل الحكومة فيه متعثرة للأسباب المعروفة، اضافة الى تعيين يوآف غالانت رئيسا جديدا لأركان الجيش الاسرائيلي خلفا لغابي اشكينازي وصولا الى انطلاق العمل في مفاعل بوشهر النووي في ايران، وهي كلها مؤشرات توحي ان المنطقة ومعها لبنان يتخذان منحى جديدا يتفاوت بين خيارين:
إما ردات فعل سلبية في اوساط الجهات أو القوى الرافضة لعملية التسوية ككل، بما قد ينعكس مواجهة "بديلة" في غزة او لبنان، أو أن يتطور الموقف باتجاه صدامات "مباشرة" بين اسرائيل وايران على خلفية الملف النووي، وهو سيناريو سبق أن روّجت له الصحافة الغربية أخيراً بصيغة توحي بأنه بات أمراً واقعاً وأن ما يفصل عنه هو تحديد ساعة الصفر لتنفيذه.
وفي كل الاحتمالات فان لبنان سيتأثر في شكل مباشر بالجانب السلبي من هذه التطورات، إذ كل المؤشرات تؤكد بأنه مهيأ للحرب اكثر منه لأي شيء آخر، خصوصا ان الجهات القادرة على منعه من دخول عملية السلام هي التي تتحكم بقرار التصعيد الداخلي، فما عاشته شوارع بيروت ليل أول من أمس، في استعادة بشعة لممارسات الحرب الأهلية، يثبت أن نار التوتير الممنهج في البلد تشق طريقها نحو ترجمة ميدانية لضرب الاستقرار وهزّ السلم والعبث بالأمن لأتفه الأسباب، في حال قرر من يملك القدرة والجهوزية والدوافع والذرائع كذلك.
ذلك أن الكلام الكثير الذي قيل ويقال وسيقال عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، مساراً وقرائن ومعطيات وخيارات واحتمالات، لا يخفي حالة ترقب وصول الموفد الاميركي الخاص الى الشرق الأوسط جورج ميتشل الذي يسبقه الى بيروت نائبه فريدريك هوف في الأيام القريبة لاطلاع المسؤولين على تطورات المفاوضات المباشرة وأفقها المرتجى، وما سينبني عليها من استراتيجيات مستقبلية.
وبحسب متابعين فإن موضوع استئناف المفاوضات المباشرة أمر لا يمكن تجاهله على المستوى اللبناني بالرغم من الانشغال الداخلي الكبير بموضوع المحكمة، نظراً إلى أنه حدث ذو أهمية استراتيجية كبرى لا يمكن مقاربته من زاوية النتائج السلبية للمفاوضات غير المباشرة التي كانت محصلتها غير مشجعة ولم تحدث الخرق المطلوب في الانسداد التي تشهده عملية السلام، فثمة اعتبارات عديدة تفرض مقاربة الموضوع من كل الزوايا والاحتمالات، وفي مقدمها احتمال حصول تقدم على المسار الفلسطيني الإسرائيلي مع ما سيرتبه هذا الأمر من وقائع وحيثيات جديدة.
لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن هناك أطرافاً أخرى لا تريد المضي في عملية التسوية وتميل لمنطق الحرب، وهي لأجل ذلك وبسبب منه تسعى وتضغط باتجاه عدم تحققها، وهناك من يربط بين التوتير الحاصل في أكثر من رقعة في الإقليم وبين الموقف من إعادة إحياء عملية السلام. فإسرائيل لا تريد السلام، وتعتبر أنها تدخل المفاوضات مقيدة الأيدي أمام أميركا وأوروبا وأطراف الرباعية الدولية، أما إيران فهي تعارض التسوية، أو أي تسوية، لا يكون لها فيها دور أو تفيد منها وسط الظروف الصعبة والمربكة التي أوجدتها العقوبات الدولية عليها، وهي تترقب فشل المفاوضات المباشرة كما فشلت سابقتها غير المباشرة، وبذلك تتأمن لها أسباب التوتير وتحصيل المكاسب. وأول من أمس أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية رامين مهمانبرست أنَّ "مفاوضات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين لن تفضي إلى نتيجة طالما لم تتم معالجة جذور المشكلة"، مشددا على "وجوب تسوية المشكلة الفلسطينية من جذورها، اذ لا يمكننا إيجاد حل للمشكلة الفلسطينية في الوقت الذي طرد فيه الفلسطينيون من بلدهم وهجروا منه وحل محلهم محتلون أتوا من دول أخرى".
هكذا تبدو المخاوف على المستوى اللبناني، من لجوء أي طرف، داخلي أو إقليمي، متضرر من إعادة إحياء مسار المفاوضات إلى استخدام لبنان ساحة للمواجهة مع المجتمع الدولي أو لعرقلة أي تقدم جدي محتمل، مبررة بل ضرورية. وما يزيد من أهمية الموضوع التباين الواضح بين الموقفين الإيراني والسوري من موضوع السلام مع إسرائيل، ذلك أن دمشق ملتزمة السلام وفق سقف المبادرة العربية، اذا كان ثمة مسعى جدي على هذا الصعيد.
هكذا، تبدو الصورة في دلالاتها ومغازيها تتجاوز الطابع المحلي الضيّق، وعلى كل حال، أيّاً تكن الرسائل التي حملتها أحداث بيروت، ومهما كانت خلفياتها وأسبابها، إلا أن الأكيد في الأمر هو أن هناك من "يصر على استدراج البلاد إلى لعبة التجاذب وربما على إنهاء مفاعيل القمم العربيّة التي عقدت في لبنان"، بحسب ما قال رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري قبل يومين، وعليه لا يكفي أن تقول جهة إن الفتنة وراءنا أو أن تحذر من الفتنة والحال أنها ترمي البلد في أتونها بشكل يومي، ومن دون أن تقرن القول بالفعل، إذ لا يستقيم وما عاد مقبولاً أن تعلو الحناجر والقبضات، أو الأسلحة والرشاشات، عند كل مفصل محذرة اللبنانيين "إما…. أو"، ثم يأتي من يحدثنا عن الفتنة وضرورة تجنبها؟ مع التأكيد أن عناصر الفتنة التي يتحدث عنها المتحدثون، وأهمها سعي طرفين إلى إذكائها، غير متوفرة إذ إن الطرف الثاني في البلد متمسك بل جاهد في السعي للسلم والاستقرار والرخاء مراهناً على الدولة واللبنانيين فقط.