بغض النظر عن القراءة السياسية لتفاصيل ما حصل في برج أبي حيدر وجوارها، والتفسيرات الميدانية لأسبابها، وما يمكن أن يُبنى من أحكام في شأنها راهناً ومستقبلاً(؟) وبعيداً عن أي معطى تحليلي قد لا تكون كل جوانبه واضحة أو متوفرة حالياً، فإن واقعة الأمس تُعيد الاعتبار الى شعار أساسي سبق وأن طرح في مناسبة مماثلة قبل بضعة شهور في محلة عائشة بكار، وقبلها (أساساً) بعد 7 أيار إيّاه، يتعلق بإعلان بيروت مدينة منزوعة السلاح إلا الشرعي منه.
عادت قوى 14 آذار لتطرح ذلك الشعار، مستندة الى مناخ عام في العاصمة، يفترض أن التنوّع الذي يحكم أحياءها كلها من دون استثناء، يجعل من أي خلل أمني مشروعاً لمذبحة فعلية… لا يهم التنافر السياسي في هذه الحالة، تماماً كما حصل في برج أبي حيدر حيث دار الاشتباك بين حلفاء مفترضين، كما لا تهم التبريرات التي يمكن أن تُقدّم في سياق المحاججة المعاكسة، خصوصاً لجهة استخدام حجّة مقاومة إسرائيل لتغطية فضيحة جعل بيروت أشبه بثكنة عسكرية كبيرة، أو بمخزن أسلحة استثنائي في حجمه وطبيعته ومداه وحرّاسه!
واقع الحال (المفترض) هو أننا إزاء حالة تسليحية أهلية موازية للحالة التسليحية المضادة لإسرائيل، لكن وظيفتها المحلية.. محلية تماماً، وتعكس نَفَساً انقضاضياً يمكن أن تحين ساعته، عندما يجد أصحابه وحدهم ضرورة لذلك، تماماً مثلما حصل في 7 أيار!
ولا داعي للتمويه والتورية في هذا المقام، إذ إن ذلك النَفَس يقوم على افتراض إقامة ازدواجية توازي السلاح الشرعي وتطغى عليه، طالما أن السلطة السياسية الآمرة لذلك السلاح بدت بعد جريمة 14 شباط 2005 متفلّتة ومتحررة من السياق الذي حكمها قبل ذلك التاريخ المشؤوم.
.. وقبل ذلك التاريخ المشؤوم، استخدم الجانب "الأبيض" من ذلك السلاح في محطة داخلية حسّاسة ومعروفة. والجميع يتذكر مثلاً تظاهرة السواطير الشهيرة التي نُظّمت في محلة البربير في نيسان 2001 رداً على اعتصامات طلابية ومواقف سياسية طالبت بالسيادة.
استبدلت راهناً السواطير والفؤوس والخناجر بالأسلحة النارية الرشاشة والصاروخية.. تغيّرت الآلة ولم يتغيّر التوظيف المحلي المطلوب لتلك الآلة!
غير أننا راهناً، أمام حالة مُستجدّة وخارجة عن السياق المذكور سلفاً. ومن المبكر ربما بناء أي فرضية تعاكس فرضية الحادث الآني ابن ساعته(؟) لكن ذلك لا يلغي جذر النظرة الواضحة الى السلاح المنتشر في العاصمة وهويته السياسية.. وغير السياسية.
ومرة أخرى، يبدو شعار بيروت منزوعة السلاح مرادفاً (أو متمماً) لشعار العبور الى الدولة.. أهل الحل والربط في الضاحية الجنوبية كانوا بدأوا تلمّس طرف الخيط عندما طلبوا تفعيل وجود السلطة وأدواتها هناك تحت وطأة الانفلات الشنيع في أكثر من مجال.. حادثة الأمس تبدو مناسبة للجهة عينها لمد صلاحية ذلك الطلب باتجاه بيروت نفسها. رأفة بأهلها وناسها.. وبهم قبل غيرهم. والله أعلم!