لقد أشار البيان المشترك الذي صدر أثر اجتماع ممثلين عن "حزب الله" و"الأحباش"، بعد أحداث برج أبي حيدر، الى أن ما جرى لا يعدو كونه حادثا فرديا لا خلفية سياسية أو مذهبية له. اننا نحمد الله ونشكر المتبارزين على هذا التوضيح الذي من شأنه أن يشيع جوا من الطمأنينة عند الناس، لا سيما لدى أبناء المنطقة التي جرت فيها تلك الأحداث الدموية.
لكنَ الغريب أن قيادتي الفريقين الآسفتين لسقوط ضحايا، وسيصبحون "شهداء" أريقت دماؤهم على مذبح الدفاع عن قضايا الأمَة، لم يتطرَقوا في بيانهم الى الأعتذار من مجموع المواطنين المروَعين الذين استيقظ في قلوبهم الخوف، لا بل الرعب، من تدهور الوضع الأمني وأدخال البلاد في أتون حرب داخلية بغيضة لن تؤدَي الا الى الويل.
أن الأنتكاسة التي حصلت بالأمس، يمكن اعتبارها خروجا على التزام الفرقاء بجو التهدئة والذي تعهَد الجميع حمايته. ولربما فات البعض أن التهدئة المنشودة لا تنسحب فقط على المستويين السياسي والأعلامي، بل أيضا – وهذا هو الأهم – على المستوى الأمني.
فبالأضافة الى تعريض الآمنين في أرواحهم وممتلكاتهم واستقرارهم وحالتهم النفسية، أدَت الأشتباكات الى نتائج كارثية على صعيد الحالة الأقتصادية وما تبقَى من الموسم السياحي، أذ نفَرت السيَاح الموجودين عندنا فقرَر العديد منهم المغادرة في أسرع وقت، وألغى القادمون حجوزاتهم استنادا الى الأنباء التي بثَتها وسائل الأعلام المختلفة ونقل ما يحدث على الأرض بشكل مباشر. كما عطَلت الحياة الأقتصادية في منطقة مكتظَة بالمحال والمؤسسات التجارية، ما ينعكس خسائر لا يمكن تعويضها أو ترجَي التعويض عنها. كلَ ذلك لأنَ حرب الأخوة حادث فردي، وينبغي على الجميع تقبَل نتائجه بقلب مفتوح متفهَم. أما الأسلحة التي استخدمت في المواجهات، فتدعو الى القلق والعجب. فالقنابل والقذائف الصاروخية يجب استعمالها في الأساس لدفع العدو عن تدنيس الأرض، وفي الجنوب حصرا، وهذا بالذات ما سمعناه ونسمعه، بشكل شبه يومي، من القيادتين المتواجهتين، في أطلالات أعلامية متكرَرة أصبحت ممجوجة لضعف حجَتها ولانفضاح حقيقتها وأهدافها.
فماذا تفعل هذه الأسلحة اذا في شوارع العاصمة الداخلية ؟ أيمكن أن تبدأ اسرائيل عدوانها على لبنان من برج أبي حيدر؟ ربما، فمعلومات الحزب "أخبر". وهل يقتضي استخدام هذه الترسانة كلها في حادث فردي عابر، يمكن، بحسب بعضهم من المتنوَرين، أن يحصل ما يشبهه في أي وقت وأي منطقة، فلماذا التضخيم والأستغلال أذا؟
في المحصَلة، هناك كذبة كبيرة أسمها ايمان الجميع بمشروع بناء الدولة وعملهم من اجل تحقيقه. هذه الفكرة الفاشلة، وللأسف، تشبه الحب الفاشل لأنه من طرف واحد. أذ كيف يقنعني من يحمل السلاح في بيروت ويستعمله، بأنه يدعم " بالروح والدم " مشروع قيام الدولة؟ سأبقى واضعا كلمة "دولة " بين المزدوجين، الى حين يتنور القيَمون عليها ويستفيقون من سبات أهل الكهف، ويثأرون لكراماتهم المداسة بأرجل أبطال الأحداث الفردية.