#adsense

خطة جعجع المرحلية هي الخطة الوحيدة الانقاذية

حجم الخط

تمكن رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع، عبر اقتراحه لاستراتيجية دفاعية مرحلية، من خطف الأضواء السياسية في الجلسة الحوارية الأخيرة، وأهمية هذه الخطوة بمعزل عن حيثياتها وتفاصيلها وموضوعيتها وتشكيلها الترجمة العملية للاستراتيجية الدفاعية الموعودة، وبمعزل أيضا عن الرفض المسبق والمتوقع لفريق "8 آذار" لها انطلاقا من الانقسام الوطني الحاد القائم الذي يحول دون الأخذ في الاعتبار أي خطوة أو مبادرة يتقدم بها الطرف الآخر، أو تأييد فريق "14 آذار" لهذه الخطة المقترحة من قبل رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات"، فأهمية هذه الخطوة إذا تكمن في أن "14 آذار"، وللمرة الأولى منذ زمن طويل، كانت في موقع الفعل لا رد الفعل، وفي موقع المبادر لا المتلقي، وهي التي جرت القوى الأخرى إلى ملعبها لا العكس.

ولعل الجميع بات على قناعة تامة بأن أي خطة ولو "الهية" لن تقنع "حزب الله" ليس بتسليم سلاحه إلى الدولة، علما أن هذه الخطوة يفترض أن تكون من البديهيات والمسلمات، إنما لن تقنعه بوضع إمرة استخدام هذا السلاح بيد السلطة السياسية التي هو شريك أساسي فيها، وبالتالي بانتظار أن "تستوي" ملفات السلام والنووي الإيراني والمحكمة الدولية، لا يمكن توقع تحقيق أي خرق سياسي في المشهد السياسي الداخلي.

ولكن بالانتظار، لا يجوز أن تبقى "14 آذار" "أسيرة" الحالة الانتظارية، هذه الحالة التي تنسحب على جميع القوى في لبنان، إنما، ويا للأسف، تمكنت قوى "8 آذار" من الاستفادة من حالة المراوحة القائمة لتسجيل بعض النقاط على حساب قوى "14 آذار"، لا لشيء إلا لامتلاكها عنصر المبادرة السياسية، بينما "14 آذار" كانت في حال انكفاء وتراجع مستمرين. ويكفي في هذا المجال استعراض مجموعة الملفات – القضايا التي أثيرت في وجه "14 آذار" في الشهرين الأخيرين للدلالة على هذا الواقع.

وما أثبته الدكتور جعجع على طاولة الحوار هو أن "14 آذار" قادرة أيضا على إشغال الفريق الآخر بملفات عدة كان أولها "الخطة الدفاعية المرحلية"، خصوصا أن كل ما تتطلبه هذه المسألة لا يتعدى استعادة "14 آذار" ثقتها بنفسها أولا والانكباب على العمل الجاد والرصين بتحضير الملفات وإعداد المشاريع وابتداع الأفكر ثانيا، لا فبركة الأخبار والملفات على طريقة "8 آذار".

هذا في الشكل، أما في المضمون فمن المؤكد أن المراقبين والمتابعين لاقتراح الدكتور جعجع أدركوا أبعاد هذا الاقتراح وخلفياته خصوصا بعد إعلان "الرباعية الدولية" انطلاق المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية المباشرة، لأن مجرد انطلاق هذه المفاوضات يعني ارتفاع حدة ومنسوب المواجهة بين مشروعي السلام والحرب في المنطقة، مما سيدفع المتضررين من مشروع السلام إلى محاولة تقويضه وضربه ونسفه. وبما أن لبنان، وفق حسابات سوريا وإيران، هو "المنصة" الأنسب لاستهداف المساعي السلمية، مما يعني أن الحرب باتت على الأبواب وأن لبنان بات في عين العاصفة، وهذه الحرب قد تفتعلها إيران بواسطة "حزب الله" أو إسرائيل أو أي طرف متضرر من عملية السلام. ومن هنا أهمية اقتراح الدكتور جعجع بأن تكون الإمرة العملانية للدفاع عن لبنان في يد السلطة السياسية والجيش اللبناني مع بقاء "حزب الله" وسلاحه، إنما بوضع قرار الحرب بيد الجيش والحكومة حصرا.

ولعل هذه الاستراتيجية الدفاعية المرحلية هي الوحيدة الكفيلة منع انزلاق لبنان نحو الحرب والحؤول دون استمراره صندوق بريد بين المحاور الإقليمية إن في مشروع السلام أو في موضوع الملف النووي الإيراني أو غيرهما. وإذا كان لبنان عاجزا لجملة اعتبارات عن دفع مسارات السلام في المنطقة قدما، خصوصا أن السلام هو المدخل الوحيد لاستقرار هذا البلد بعد أكثر من أربعة عقود من عدم الاستقرار، فلا يجوز بالمقابل أن يبقى لبنان "ساحة" تفجيرية للمساعي السلمية.

وقد تمكن الدكتور جعجع عبر اقتراحه من التوفيق بين رؤيتين متناقضتين للاستراتيجية الدفاعية: النظرة الـ14 آذارية التي تقول ان لا استراتيجية دفاعية خارج الشرعيات الثلاث اللبنانية والعربية والدولية وخارج سلطة الدولة اللبنانية، والنظرة الـ8 آذارية التي تقول إن المقاومة هي أساس أي استراتيجية دفاعية، وبالتالي استطاع جعجع الجمع بين النظرتين على أساس استمرار "مقاومة" حزب الله مرحليا إنما بمرجعية الدولة اللبنانية لا الحزب.

ولا شك أن رئيس الهيئة التنفيذية في القوات استند في هذه الصيغة الخلاقة على تشخيصه الموضوعي للأزمة اللبنانية وعلى مستوى المنطقة، باعتبارها أزمة مترابطة وبمثابة معركة واحدة، وبالتالي بانتظار حل عقدتي السلام والملف النووي الإيراني لا بأس من استمرار سلاح "حزب الله" إنما بمرجعية الدولة اللبنانية. ولكن بعد حل قضيتي السلام والنووي سيكون ثمة كلام آخر ومفاده الانتقال من استراتيجية دفاعية مرحلية إلى استراتيجية دفاعية نهائية.

برهن الدكتور جعجع وتبرهن قيادات "14 آذار" يوميا أن حماية لبنان وأمن اللبنانيين هو هم 14 آذاري. فليس مطلوب من هذه القوى أكثر مما تقوم به، وقد قطع جعجع بخطوته هذه نصف "الطريق" باتجاه ملاقاة "حزب الله". ولكن، ويا للأسف، لا حياة لمن تنادي، فحتى تبني مفهوم "المقاومة" إنما على أسس دولتية أمر غير مقبول، وكأن لا مقاومة خارج "حزب الله". ولكن بالمحصلة، ساهم اقتراح الدكتور جعجع بمزيد من تعرية "حزب الله" وبتسليط الضوء أكثر فأكثر على حقيقة أهدافه ومرجعية سلاحه وقراره الإيرانيين، وقد بدا جليا رفضه المرجعية اللبنانية وتمسكه بالمرجعية الإيرانية، وبالتالي إزاء هذا الواقع لم يبق أمام رئيس الهيئة التنفيذية وسائر قوى "14 آذار" بعد اليوم سوى ترداد القول المأثور: اللهم إني بلغت اللهم فاشهد!! وهذا لا يعني التخلي عن مسؤولياتهم الوطنية في حماية لبنان واللبنانيين إنما تحميل "حزب الله" مسؤولية أي حرب لا ناقة للبنانيين بها ولا جمل.

ولعله من المفيد أيضا في هذا الإطار متباعة الردود السياسية على تصور الدكتور سمير جعجع للاستراتيجية الدفاعية المرحلية والتي تظهر أن "حزب الله "وفريقه السياسي الـ8 آذاري لم يقدما في معرض ردودهما الرافضة لهذا التصور أي حجة سياسية مقنعة، لا بل أن كل هذه الردود "حكمت" على النوايا لا على مضمون الخطة وتفاصيلها. وهذا عدا عن محاولة قسم آخر من الفريق نفسه تجاهل خطة الدكتور جعجع كليا. وهذا أكبر دليل على أهمية هذه الخطة التي وضعت "حزب الله" في حال من الإرباك السياسي الناجم عن التالي:

أولا: أي مناقشة تفصيلية لهذه الخطة ستضع "الحزب" في مواجهة "الجيش"، وتظهر أن معادلة "الجيش والشعب والمقاومة" لا أساس لها أو قائمة على "وصاية" "حزب الله" على الجيش والشعب، لا تكاملهما مع "المقاومة". ومن هنا لا مصلحة لـ"حزب الله" بالإعلان عن أن الجيش اللبناني (أو أي قوة في العالم) أعجز من اعتماد أسلوبه "المقاوم". علما أن بإمكان أي جيش في العالم اعتماد أسلوبي المواجهة التقليدية و"الغيريلا" في آن واحد، ويكفي في هذا الإطار العودة إلى كلام الرئيس السوري بشار الأسد عن توجه لدى النظام السوري فحواه تفريغ أولوية من الجيش السوري اعتمادا لأسلوب "المقاومة".

ثانيا: ليس المقصود إطلاقا وضع "الحزب" في مواجهة "الجيش"، إنما على العكس الإقرار بقدرة الجيش على القيام بأي مهمة يمكن أن توكل إليه، وخصوصا أن الجيش اللبناني الذي عايش عن كثب الحرب اللبنانية هو الأقدر على اعتماد أسلوبي المواجهة التقليدية وغير التقليدية.

ثالثا:لا يمكن مقارعة منطق "حزب الله"، في الظرف الحالي، إلا باعتماد منطقه السياسي، وبالتالي مصدر إرباك الحزب من خطة الدكتور جعجع هو اعتماد الأخير منطق "المقاومة"، مع فارق أن تكون هذه "المقاومة" بإمرة السلطة السياسية والجيش النظامي.

رابعا: يجب الإقرار، رغبنا في ذلك أم لم نرغب، بإن شريحة واسعة من اللبنانيين وتحديدا داخل الطائفة الشيعية مؤمنة بأن خيار "المقاومة" هو أفضل وسيلة لـ"حماية لبنان"، وبالتالي لا يمكن استيعاب هذه الشريحة في المرحلة الانتقالية إلا باعتماد مبدأ "المقاومة" إنما من زاوية دولتية جامعة لا ميليشياوية فئوية، غير أن اعتماد مبدأ "المقاومة" هو مرحلي انطلاقا من الاستراتيجية الدفاعية المرحلية بغية استيعاب هذه الشريحة داخل مشروع الدولة كي لا تشعر بالغبن والاحباط، ولكن بعد ذاك لا بد من حسم الازدواجية الاستثنائية القائمة بين الدولة والمقاومة لمصلحة الدولة بصورة نهائية وتامة.

لقد أطلق الدكتور جعجع مبادرة باتجاه "حزب الله"، ولكن مصيرها لن يختلف عن مصير عشرات المبادرات التي سبقتها باتجاه الحزب، ولعل أبرزها توحيد انجازي التحرير والاستقلال بعد إقرار المحكمة الدولية في العام 2007. غير أن رفض "حزب الله" الدائم لهذه المبادرات لا يعني على الإطلاق الحد منها أو وقفها، إنما الإصرار على المزيد منها بانتظار حل عقدتي السلام والنووي الأيراني، إذ قبل ذاك سيبقى "حزب الله" عاجزا عن رد التحية بمثلها لأن أولوية مشروعه الإقليمي هي الطاغية على ما عداها، بينما انتفاء هذا المشروع الإقليمي سيقود "حزب الله" تلقائيا إلى التسليم بالمشروع اللبناني، ولو مكرها.

المصدر:
المركز اللبناني للمعلومات - LIC- لبنان – دائرة التحليل السياسي

خبر عاجل