قبل مدة قصيرة، سرت معلومات مفادها ان زعيم "التيار الصدري" السيد مقتدى الصدر على وشك الانتقال من قم الى بيروت للإقامة فيها، في ظاهرة احتجاج منه على ضغوط مكثفة تمارسها عليه طهران بغية فتح جسور علاقة مع رئيس ائتلاف "دولة القانون"، رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته نوري المالكي، وتالياً محضه التأييد للعودة مجدداً الى المنصب الذي يشغله منذ نحو أعوام، ليكون ذلك مفتاح حل أزمة الفراغ الحكومي المستمرة في بغداد منذ ما يزيد عن خمسة أشهر.
وعلى رغم ان المحيطين بالزعيم الديني الشاب لم يدحضوا هذه المعلومات أو يؤكدوها، مفضلين، عن سابق تصوّر وتصميم، إبقاء الامر ملتبساً، إلا ان مجرد إثارة موضوع إمكان إنتقال الصدر للإقامة في بيروت في هذا الوقت بالذات طرح تساؤلات ترسم علامات استفهام في أوساط لبنانية وعراقية على حد سواء. فهذا الرجل بدا منذ اكتشاف وجوده وتياره في مناطق عدة من العراق، بعيد سقوط نظام صدام حسين على يد قوات الغزو الاميركي، وكأنه يهوى أن يكون حراكه وتوجهاته مثار تجاذب، وأن يفاجئ الجميع، محبيه وكارهيه في آن واحد، حتى يظهر في حين من الدهر كأنه يسبح عكس التيار الشيعي العراقي، وانه نسيج وحده، خصوصاً بعدما تحدى في مرحلة من المراحل المرجعية الشيعية العليا في النجف مطلقاً عليها صفة المرجعية "الصامتة" بعدما أطلق على نفسه صفة المرجعية الناطقة.
شكّل الصدر دوماً حالة فريدة ومثيرة للجدل، خلافاً لكل القوى الشيعية العراقية ولا سيما منها تلك التي وفدت على بغداد وراء الدبابة الاميركية قبل نحو 7 أعوام، وبدأت تسعى للقبض على ناصية السلطة في العاصمة العراقية، فكان له موقف مناهض إذ اعتبر نفسه صاحب الحق الشرعي، هو الذي بقي مع انصار والده المقتول غيلة على يد سلطة صدام، متجذراً، يتقي ظلم النظام الصدامي وضرباته الدامية.
ورغم "انضباطه" لاحقاً مع غالبية القوى والشخصيات الشيعية التي ائتلفت وتوحدت في انتخابات عام 2005، وبلغت سدة الحكم بفعل اكتساحها غالبية مقاعد برلمان ذلك العام، إلا انه سرعان ما غادر هذا "الإجماع" الشيعي وبدا مصادماً للاحتلال الاميركي وللسلطة الرسمية والدينية الشيعية، فاختفى في بادئ الامر عن الانظار ثم ما لبث ان ظهر في قم قبل نحو ثلاثة أعوام، وقيل آنذاك ان طهران الضنينة به "سحبته" لغايتين معاً، الاولى لتجبره على الانكفاء عن الواجهة وتحميه من التصفية بعدما تلقت الذراع العسكرية التابعة لتياره (ميليشيا "جيش المهدي") ضربات عدة.
والثانية لتقنعه بمواصلة دراسته الحوزوية ليبلغ درجة الاجتهاد "فيمسك بالمجد" من ضفتيه، ضفة المرجعية الدينية، التي تؤهله لوراثة دور عائلته الضارب عميقاً في المدرسة الدينية الشيعية التاريخية، وضفة المرجعية السياسية بعدما بقي تياره حاضراً ايضاً كل محاولات التحجيم والاقتلاع والحصار التي مورست بحقه، من جانب حليف الامس المالكي، الذي خاض معه مواجهات شرسة.
بعد الانتخابات العامة الاخيرة في العراق، صار الصدر بيضة القبان في المعادلة السياسية الدقيقة الناجمة عن هاتيك الانتخابات، إذ قبض بشكل أو بآخر على 40 مقعداً نيابياً من أصل 70 مقعداً حصل عليها "الائتلاف الوطني" الذي جمعه مع زعيم المجلس الاسلامي الاعلى السيد عمار الحكيم.
كان شرطه الاول والاخير لأي تركيبة حكومية يشارك فيها، أن لا يرى المالكي وقد عاد ثانية الى المنصب الأهم في رأس هرم السلطة في العراق. ولعل هذه "العداوة" الشخصية المطلقة هي التي دفعته الى تناسي خلافه الاول مع زعيم كتلة "العراقية" اياد علاوي ومد جسور علاقة متجددة معه، خلافاً لتوجهات طهران التي كان بيّناً انها تعتبر المالكي رجلها الاول في بلاد الرافدين في هذه المرحلة.
وعليه، فإن الكلام المتصاعد عن إمكان انتقال الصدر الى بيروت ينطوي، إذا ما صار حقيقة، على رزمة من الدلائل والأبعاد:
أولها ان العلاقة العضوية التي جمعت السيد الصدر بطهران قد انفصمت عراها الى غير رجعة، وهو أمر يبدو حتى الآن صعباً خصوصاً بوجود المرجع – المثال للسيد الصدر في قم، وهو السيد كاظم الحائري، الذي له دالة معنوية كبرى على السيد الصدر وعلى توجهاته ورؤاه الدينية والدنيوية. وثاني هذه الدلالات ان ما قيل عن التباين الايراني – السوري حول مستقبل الوضع في العراق وتركيبة السلطة الجديدة في بغداد قد بلغ فعلاً ذروته، بفعل امرين، الاول العلاقة التي تجمع الصدر بالنظام السوري، والثاني ان لبنان، كما بات معلوماً، هو ابرز ساحات التلاقي والتقاطع بين دمشق وطهران. ولا يبدو بفعل ما تزخر به الساحة اللبنانية من تشابكات وتموضع القوى، ان بامكانها استقبال الصدر المختلف مع طهران، ليجعل من الساحة اللبنانية ساحة تحركه نحو العراق على نحو مضاد للسياسة الايرانية في هذه الساحة.
وإذا كانت أوساط الصدر قد لمحت الى ان الرجل الذي صار في أواسط الثلاثين من عمره، لن يكون في ضيافة الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، أو تحت عباءته، لأن له من الاملاك ما يجعله مستقل الحراك ومتحرراً من أية قيود أو ارتباطات.
وإذ كان ثمة من بدأ يمهد لوصول السيد الصدر الى بيروت، بالحديث عن تجربة قريبه السيد موسى الصدر في الساحة اللبنانية، وكيف دخلها وحيداً وشبه مجهول ليتحول لاحقاً وفي سرعة قياسية نجماً ساطعاً من نجوم السياسة والفكر والفقه والاجتهاد في سمائها، فإن ثمة من يرى ان الظروف مختلفة والمعطيات مغايرة. فالسيد مقتدى، وان كان سليل الشجرة الصدرية ذات المكانة الرفيعة في عالم المرجعية الشيعية، ورغم انه متزوج من ابنة شقيقة السيد موسى (ابنة المرجع الديني الشهيد السيد محمد باقر الصدر)، الا ان ثمة اختلافات بين الشخصيتين تجعل من الصعوبة بمكان ان يأخذ "الصدري" الوافد حديثاً مكانة "الصدري" الاول الذي وفد الى مدينة صور في مطلع عقد الستينات بتزكية واضحة من أبرز مراجع الشيعة في لبنان في ذلك التاريخ السيد عبد الحسين شرف الدين، الذي أوصى بأن يخلفه هذا الشاب المميز خلقاً وخلقاً وعلماً.
وثمة فارق آخر، هو ان المعطيات والوقائع التي مهدت لولوج الصدر الاول (السيد موسى) الساحة الشيعية اللبنانية تتمايز عند معطيات ووقائع المرحلة الحالية، فالساحة الشيعية لا تعاني فراغاً سياسياً أو دينياً تنتظر من يملأه. فـ"حزب الله" وحركة "أمل" وزعيماهما يبسطان ظلهما وارفاً وفائضاً على امتداد هذه الساحة على نحو يقطع السبيل على من يريد اقتحامها وتقاسمها معهما.
فضلاً عن ذلك، فإن لكل من التنظيمين الهموم والحسابات المتشعبة التي تأخذ منهما كل وقتهما وجهدهما ولهما ايضاً حساباتهما العراقية، فحركة "أمل" على سبيل المثال تؤمن كل الايمان بمرجعية السيد علي السيستاني، وزعيمها الرئيس نبيه بري له علاقة مميزة مع اياد علاوي.
أما الحزب فله ايضاً حساباته العراقية الدقيقة التي تملي عليه فكرة الابتعاد والنأي بنفسه الى اقصى الحدود عن الساحة العراقية التي تتداخل فيها حسابات معقدة ومتشعبة.
وبناء على كل هذه المعطيات والوقائع، فان من الواضح ان الساحة الشيعية في لبنان ترحب بالسيد الصدر زائراً لبعض الوقت، وهي بالاساس تتعامل مع ممثل دائم لتياره في الضاحية الجنوبية (حالياً هو الشيخ علي العقيلي)، ولكن ثمة من يرى ان هناك صعوبة قصوى تبلغ حد الاستحالة، في ان تفتح هذه الساحة ذراعيها أمام السيد الصدر ضيفاً دائماً عليها، خصوصاً اذا ولجها على قاعدة انه "فار" من املاءات السياسة الايرانية عليه أو متمرد عليها.
وعليه، فإن اركان الساحة الشيعية اللبنانية تعاطوا بلا مبالاة مع الانباء التي تناهت اليهم عن عزم السيد الصدر على الانتقال الى ساحتهم والحلول فيها ضيفاً دائماً، واعتبروها "مزحة"، خصوصاً لأن هذه الساحة فيها ما يكفيها ويفيض عن همومها الخاصة.