#adsense

العونية السياسية: فساد وبيت من زجاج

حجم الخط

ان مراجعة سريعة لتجربة التيار الوطني الحر تظهر ان ثمة نهجا يمكن تسميته بـ"العونية السياسية" ذات الملامح الخاصة به، وهذه التجربة اتسمت بالسلبية ورد الفعل الغريزي.

لقد خبرنا في التاريخ السياسي اللبناني الحديث تجارب عدة نسبت الى شخصيات سياسية لعب ادواراً بارزة في السياسة اللبنانية العامة منها "الشهابية" نسبة الى الرئيس فؤاد الشهاب، تلك التجربة التي تميزت باحترام الذات وبناء الممؤسسات، و"الشمعونية" القائمة على الحنكة السياسية والايمان المطلق بالهوية اللبنانية.

اما "العونية السياسية"، فهي المثال الحي عن الانتهازية السياسية والانقلاب على التاريخ. انها حالة عاطفية في المجتمع المسيحي، وعمليا لا يوجد شيء اسمه "تيار وطني حر" الا كشعار، ويمكن تعريف هذا التيار في ضوء علم السياسة على انه حزب من نوعية "الاحزاب التي تلتقط كل شيء"، بحيث يفتقد الى مرجعية التنظيم ذي البنية الديمقراطية حيت تكون المبادئ قبل الاشخاص، فيما نجد العكس في بنية ذلك التيار حيث الشخص قبل القضية.

فميشال عون صاحب حلم "مرضي" في الوصول الى سدة الرئاسة تحول الى كابوس على الوطن، وعلى المسيحيين تحديدا نتيجة لمغامراته العسكرية، والسياسية التي تخطت حدود الحماقات الكبرى. فمنه واليه يعود ما اصاب المسيحيين من ويلات وتهميش وتراجع على المستويات كافة. في الاصل يبدأ وعي الجنرال لذاته في كينونة ماثلة في صورة شخصية فذة مصابة بجنون العظمة، وانه وحده يحوز سلطة الكلام، وانه فوق الجميع وفوق تاريخ الافراد الذين ضحوا فيما كان هو في المنفى الباريسي.

ولأنه صاحب مشروع سلطوي تراه دائما يعاني من وجود شخصيات يشعر انها قد تنافسه في تحقيق حلمه الرئاسي، فيسعى الى ان يحدد لها ادورا مع انه زعيم بالصدفة لا بل ان الصدفة بمثابة الدماء التي تجري في عروق حياته السياسية، كونها حاضرة في كثير من المفاصل التي يكون الجنرال طرفا فيها. فقد ساعده في الماضي وجوده على رأس المؤسسة العسكرية في تمويه طموحه الجامح للوصول الى السلطة عبر المطالبة بالسيادة، والاستقلال مدغدغا عقول وقلوب الشعب البسيط الذي يسعى للعيش الكريم في ظل دولة محترمة، فظلت الظروف تلعب لصالحه. عاد بعد استشهاد الرئيس الحريري الى لبنان، وكانت عودته ملتبسة، مستغلا عاطفة المسيحيين، والموقف المبدئي للبطريرك صفير من قانون العام 2000.

وبات معروفا ان الطريقة التي يعرض فيها مواقفه السياسية تتعارض مع ادعائه انه يرأس تيارا علمانيا ووطني التوجه، وهكذا يبدو كمن يفسر الغامض بالأكثر غموضا كونه يقوم بتسييس كلامه على قاعدة طائفية، وليس وطنية مستعملا الدعاية السياسية الرخيصة كظهوره على شاشة التلفاز حاملا صور لشاب مسلح ادعى انه قواتي تبين لا حقا انها مفبركة لتشويه صورة القوات اللبنانية (صدر الحكم بشأنها لصالح "القوات اللبنانية")، وهذا بحد ذاته يتناقض مع الديمقراطية التي تتطلب قول الحقائق كما هي خصوصا حقيقة تحالفاته مع اهل الوصاية السورية التي تتعارض بخلفياتها مع تاريخ الجنرال الذي يدعيه هو نفسه من سيادة واستقلال.

ان المرجعية التي يدعيها النائب ميشال عون من الرابية تنطلق من اداء قائم على الانانية والتفرد، وعمليا لا فعلا اراديا فيها كون الفعل الارادي الحر هو الذي تستشف منه معاني الايثار، والمصلحة الوطنية لان المرجعيات الحقيقية تتمحور سياساتها حول الدولة، والوطن بدلا من ان تتمحور حول السلطة كغاية.
ويحدثك الجنرال عن استقلالية قراره فحدث ولا حرج، فهل من قبيل المصادفة ان يتماهى خطابه مع خطاب ما يسمى بقوة الممانعة في كل المسائل الخلافية المعروفة وهذا ليس بغريب فمن المنطقي عندما يتحالف طرفان او اكثر فإن لغة الاقوى هي التي تسود فيما الطرف الاضعف يندمج وينصاع وطبعا الجنرال هنا ليس الاقوى قياسا بـ"حزب الله".

اما حديثه عن الفساد والمفسدين فهو كلام شعبوي وادعاء ساقط لأن تاريخ الجنرال فيه الكثير من المآخذ التى تضعه تحت المساءلة وليس العكس، وللتذكير فقط لا بد من سرد هذه الواقعة المهمة التي تكشف زيف وبطلان ادعاءات جنرال الرابية. ففي العام 1990 كشفت صحيفة"le canard enchaine" ان الجنرال ميشال عون فتح حسابات مالية بإسمه واسم زوجته في بنك "ناسيونال دي باريس انتركونتننتال". وعندما افتضح امره قام بعملية التفاف دعائية لخداع الراي العام منطلقا من عاطفة الناس نحوه، فكشف عن حسابات اخرى في مصارف بلجيكية مدعيا انه وضعها بإسمه الشخصي منعا لسرقتها من قبل الحكومة المزعومة على حد قوله. الان بعد ان "عون رجع" ودخل بالحكومة واصبح من ضمن التركيبة السياسية، اين اصبحت اموال الشعب التي اردت حمايتها لماذا لا تردها الى خزينة الدولة بعد ان زال الخطر عليها من قبل تلك الحكومة؟ ان هذه الواقعة تفيدنا كم ان انصار الجنرال وقعوا ضحية انانيته التى موهها بشعارات السيادة والاستقلال.

ان الفساد يأتي من رحم التفرد والانانية، والعونيون يتحملون قسطا عما وصلت اليه حال تيارهم لأنهم سلموا الجنرال قيادهم ومنحوه الثقة العمياء التي قادت الجنرال لأن يستفرد بهم ويستخف بقدرتهم راضيين بأن يكونوا مناضلين درجة ثانية، حيث قام بتوزير اشخاص من خارج التيار لأنه بحسب "زعيمهم" لا يوجد كفاءات عونية. ان "الثنائي المرح" القائد وصهره يقودون انصارهم بعكس ما امنوا به وناضلوا من اجله. وما التهميش لشخصيات تاريخية مسكت زمام المبادرة في ظل غياب الجنرال الا نتيجة طبيعية لثقافة الخضوع للقائد. ومتى سيعي العونيون ان مواطنا واعيا وناشطا هو مواطن قادر على التغيير بنفسه في حال عمل في افق المصلحة العامة، وليس في افق الزعامة السياسية.

انها مأساة عونية يمكن اختصارها بثلاث: الجنرال، الصهر والمال النظيف. ان فاقد الشيء لايعطيه، وعلى الاننتهازيين ان يعرفوا ان من بيته من زجاج لا يرمي الناس بالحجارة….والـ"otv".

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل