… وماذا يعني "حادث فردي" في لبنان؟ إنه يعني وسط هذا الوضع السائب تقريبا، عود الثقاب الذي يحرق الشجرة او الذي يحرق الغابة.
وماذا يعني "نيران صديقة" وهو الوصف الذي استعمل سياسيا وتردد اعلاميا في الساعات القليلة الماضية؟
إنه يعني اننا في خضم معركة مفتوحة، او حرب مندلعة. فليس سرا ان هذا الوصف سمعناه من الاميركيين في حروب التحالف الدولي في افغانستان ثم في العراق.
في سياق هذه "النيران الصديقة"، من هو العدو؟
لا يحاولنّ احد القول انه اسرائيل، غير ان القتال ضد العدو الاسرائيلي، في الجنوب وليس في برج ابي حيدر، المنطقة التي نامت على رعب واستيقظت على رعب اكبر، ليس بسبب ما اسفرت عنه "حادثة" الاصطدام المسلح بين "حزب الله" وجمعية المشاريع الخيرية الاسلامية، بل بسبب الاستسهال المريع، الذي ظهر في بعض المقاربات والتعليقات السياسية، ولكأن ما حصل صفحة من كتاب لم يكن يجب ان تفتح لكنها طويت الآن بحمد الله سبحانه وتعالى. ولكن الى متى ونحن في بلد تنخره المذهبيات والطائفيات والجواسيس والمؤامرات؟
لا احد يدري ولا من يريد ان يدري!
طبعا لا يمكن المرور هامشيا أمام كلام بعض السياسيين، الذي استعمل عبارة "نيران صديقة". ليس لان الاشتباك حصل في خضم معركة مفتوحة كما قلنا، بل لان المدلول السياسي لـ"الصداقة" هنا مفهوم لبنانيا حيث يقف "حزب الله" وجمعية المشاريع في "خندق واحد"، في مواجهة تجمع 14 آذار و"تيار المستقبل".
كان مثيرا تماما ان يتوقف البعض امام تعليق الرئيس سليم الحص، الذي قال: "ان ما حصل كان بمثابة الكفر بقيمة الانسان".
صحيح. لكن الامر يحتاج الى ما هو اكثر من الاسى الرومانسي. اولا لانه لم يعد هناك قيمة للانسان في هذا البلد، وثانيا وهو الادهى لاننا في دولة فاشلة منذ زمن بعيد، انهارت فيها منظومة الحرمات والقوانين والقيم والاخلاق. فلا هيبة للدولة. اساسا لا وجود محسوبا للدولة ولا حرمة للقانون ولا احترام للنظام. مجرد مساحة جغرافية يتصادم فوقها البشر بين فترة واخرى!
طبعا لا نريد ان نحمّل ما حصل في برج ابي حيدر مسؤولية تاريخ كامل يتصبب بعرق الخجل، وخصوصا في عقديه الاخيرين. ولكننا لا نريد ان تطوى صفحة ما حصل في برج ابي حيدر من دون ان نتنبه ولو مرة في هذا العمر السياسي البائس، الى هذا البركان من "النيران الصديقة" وغير الصديقة الذي ينام لبنان فوقه، بينما تقوم الدولة وقواها بحراسة هذا الواقع.
أوَلم تتحول القوى العسكرية في لبنان قوات "يونيفيل بلدية" اذا صح التعبير، لا يتجاوز دورها الفصل بين المشتبكين والمتقاتلين، واستضافة لجان الارتباط و"الحوار"، بحثا عن الطريقة المناسبة لانهاء الامر ومعالجة الذيول من دون "التفكير الدولتي" لحظة واحدة في معالجة الاسباب واستئصال الضغائن والاحقاد وانهاء الحساسيات وتنقية النفوس والعقول؟
اذا كان لبنان مستهدفا بهذه الطريقة المتوحشة من العدو الاسرائيلي برا وبحرا وجوا وعملاء طبعا، ثم اذا كان يتأرجح في الظن والحساسيات والكراهيات، امام رياح المذهبية البغيضة، التي تعصف في المنطقة كلها على ايدي الاميركيين والاسرائيليين، واذا كانت جروح "7 ايار" التي لا يتوانى البعض عن التذكير بها يوميا تقريبا لم تندمل بعد، فهل يجوز ان يتعامل الجميع مع ما حصل في برج ابي حيدر على انه "حادث فردي" و"نيران صديقة"، وان نكتفي بتحقيق ميداني يكشف ما جرى في الشارع، من دون ان يهبّ العقلاء في الدولة او بقايا الدولة، وفي "حزب الله" وجمعية المشاريع وعند كل الجهات، الى البحث عن الاسباب الدفينة والظاهرة، التي تضع البلاد على برميل من بارود، في وقت يفرض الواقع المؤلم على القوى الشرعية ان تكون مجرد قوات فصل وإطفائية؟!
كان من واجب الرئيس سعد الحريري ان يقول ولو بلسان الناس من الناقورة الى النهر الكبير، قبل لسان السلطة التنفيذية: "ان انتشار السلاح في كل شارع وحي لم يعد مقبولا، وان القوى العسكرية ستتولى من الآن فصاعدا مسألة ضبط الامن وستلاحق كل من يفتعل اشكالات في هذا البلد…".
كان من واجبه ان ينحو الى الجدية بعدما وصل الامر باللبنانيين الى درجة اليأس من وجودها، ولهذا تعمّد القول: "لا تظنوا ان اللجنة الامنية التي يشكلها مجلس الوزراء لن تتخذ قرارات، بل هي ستتخذ القرارات الجريئة، ولنرَ من سيقف في وجه هذه القرارات"…
بل ليرى اللبنانيون ايضا الذين سئموا حتى الحياة والوطن في ظل هذه الفوضى العارمة، وهو ما يجعل السؤال مشروعا الى آخر مدى: السلاح لمقاومة العدو الاسرائيلي صحيح، ولكن ما مبرر السلاح في بيروت والمدن والقرى والاحياء؟ هل لتبقى الحرب الاهلية والمذهبية معلقة فوق رأس هذا البلد البائس؟