#adsense

لئلا يَستدرج بقاءُ السلاح خارج الدولة لبنان إلى وصاية جديدة…

حجم الخط

لئلا يَستدرج بقاءُ السلاح خارج الدولة لبنان إلى وصاية جديدة…
هيئة الحوار مدعوّة لمعالجة الموضوع بسرعة

اذا كان اللبنانيون يريدون ان تكون لهم دولة وجيش وقضاء فما عليهم سوى الاتفاق على مقومات هذه الدولة، والا فانهم سيظلون يعانون من وقوع حوادث امنية لا يمكن منع تكرارها بالكلام ولا بالشعارات ولا بتشكيل اللجان، لا بل لن يكون في مقدورهم ان يفعلوا سوى اصدار بيانات الاستنكار والادانة وطلب اجراء تحقيق ينتهي الى عدم معرفة المسؤولين الحقيقيين عن ارتكاب هذه الحوادث وسوقهم الى المحاكم، واذا عرفوا تعذرت ملاحقتهم واعتقالهم لأن غطاءهم سياسي أو ديني او خارجي…

لذلك لا معنى للكلام على عدم السماح بتكرر الحوادث وهي تتكرر، ولا لفتح تحقيق يبقى من دون نتيجة، ولا تكرار الدعوة الى جعل بيروت منزوعة السلاح، لأن هذه الدعوة اطلقت قبل اكثر من سنتين ولم يستجب لها احد فظل الشعار شعاراً وبلا قرار لأن الدولة بكل مؤسساتها الضعيفة، اعجز من ان تترجم ذلك. وليس سوى الاتفاق على قيام الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل اراضيها، فلا تكون سلطة غير سلطتها ولا سلاح غير سلاحها ولا قانون غير قانونها، وهي التي تمنع اذذاك وقوع حوادث ومخالفة القوانين والنظام. ولكن عندما يكون الى جانب الدولة دولة، والى جانب الجيش جيش آخر وفوق يد القضاء يد، فكيف يمكن منع وقوع الحوادث والاخلال بالأمن، وكيف يستطيع سلاح الدولة مواجهة سلاح آخر؟ وعلى من يطلق النار عندما يتبادلها لبنانيون؟ بل كل ما يستطيع عمله هو الفصل بين المتقاتلين توصلاً الى اتفاق على إعادة الأمن بالتراضي… وهذا ليس ضعفاً من الجيش وقوى الأمن الداخلي بل حكمة وتعقل، ويكون الجيش غير ذلك عندما يواجه سلاح عدو أو معتد، كما حصل في بلدة عديسة وقبل ذلك في نهر البارد، فضحّى بالكثير من أجل كرامة لبنان وسيادته. فلا لوم إذاً لا على الدولة وهي ضعيفة، ولا على الجيش، الذي من غير المعقول ان يطلق النار على لبنانيين يتقاتلون.

يقول مسؤول سابق في هذا الصدد ان العلاج الوحيد لمشكلة الأمن في البلاد هو بجعل السلاح في يد الدولة دون سواها، وان كل سلاح خارجها للدفاع عن الوطن وصدّ أي اعتداء يكون بإمرة الدولة، وإلا فلن تقوم دولة ولن يكون في مقدور جيش أن يحفظ الأمن، ولا قضاء أن يحكم عندما يصبح السلاح خارج الدولة أقوى من الدولة وجيشها.

هذا الوضع الشاذ مرّ به لبنان عندما دخله مسلحون فلسطينيون بحجة أنهم يريدون تحرير أرضهم انطلاقاً من لبنان، وعندما اعلنوا ان تحريرها يمر بجونيه اشتعلت الحروب اللبنانية – الفلسطينية والحروب اللبنانية – اللبنانية ولم تتوقف الا بدخول قوات سورية فرضت وصايتها على لبنان مدّة ثلاثين سنة… وهذا الوضع يتكرر بوجود سلاح خارج الدولة لمقاومة اسرائيل وتحرير ما تبقى من الاراضي اللبنانية المحتلة، ولكنه عندما يتحول نحو الداخل فلا يعود سلاحاً لتحرير هذه الاراضي ومقاومة اسرائيل، من بيروت أو طرابلس أو جونيه، لذلك ينبغي لهيئة الحوار الوطني معالجة معضلة هذا السلاح قبل اي أمر آخر، لأن لا جدوى من استراتيجية دفاعية لمواجهة اسرائيل اذا كان هذا السلاح يهدّد أمن الداخل، ويعرّض البلاد لفتنة تتمنى اسرائيل حصولها لترتاح، وهي التي تبشر اللبنانيين بها من وقت الى آخر، إلا إذا كان لا معالجة لهذا السلاح إلا باستقدام وصاية جديدة على لبنان، كما حصل في السابق بسبب السلاح الفلسطيني. وهذا من شأنه التأكيد مرّة أخرى ان اللبنانيين عاجزون عن أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، وأنهم لم ينعموا بالأمن والاستقرار إلا في ظل استعمار او انتداب أو وصاية… فمقولة: "هنيئاً لمن له مرقد عنزة في لبنان" سمعتها في ظل حكم المتصرفية. ولم نسمع بدولة القانون والمؤسسات إلا في ظل الانتداب الفرنسي، ولم نسمع بالأمن الثابت إلا في ظل الوصاية السورية.

عندما قامت دولة الاستقلال عام 1943 لم يكن السلاح إلا في يدها، فكانت قادرة على فضّ اشتباكات بين لبنانيين تستعمل فيها العصي والسكاكين، ومن ثم تطورت ودخلت اليها المسدسات واسلحة الصيد ثم الرشاشات. لكن ظل سلاح الدولة هو الأقوى، لتفرض به هيبتها وسلطتها. أما اليوم فالاشتباكات بين اللبنانيين تخاض بالاسلحة الخفيفة او المتوسطة أو الثقيلة، بحيث تعجز قوى الدولة عن مواجهتها إلا اذا أصبحت طرفاً ثالثاً في القتال فتتسع عندئذ دائرته ويزداد الخطر.

ويختم المسؤول نفسه بدعوة هيئة الحوار الوطني الى اجتماع استثنائي يخصص للبحث في مصير السلاح خارج الدولة، وكيف ينبغي معالجته وضبطه قبل البحث في موضوع الاستراتيجية الدفاعية، اذا لم يكن هذا السلاح جزءاً منها وبإمرة الدولة، اذ ان هذه الاستراتيجية تبقى من دون جدوى عندما يكون السلاح خارج الدولة بغير إمرتها، بل بإمرة حامليه، فإنهم يوجهونه ساعة يشاؤون ضد من يريدون، عدواً كان أم صديقاً أم حليفاً. وما لم يتوصل القادة اللبنانيون الى اتفاق على معالجة معضلة السلاح خارج الدولة، فانه يخشى ان تنتهي هذه المعضلة بما انتهت اليه معضلة السلاح الفلسطيني، اي الى حرب داخلية مكنت اسرائيل من اجتياح لبنان وبلوغها لاول مرة عاصمة عربية هي بيروت ومن ثم زوال هذا الاجتياح بعد اخضاع لبنان لوصاية سورية أخرجت المسلحين الفلسطينيين من لبنان الى تونس، فهل يريد القادة اللبنانيون الذين لم يتعظوا من دروس الماضي، ان يكرروا الخطأ نفسه فيبقى السلاح خارج الدولة وخارج إمرتها وسلطتها، سلاحاً يقضي على وجودها ومؤسساتها ويستدعي وصاية جديدة على لبنان؟

يروي الوزير والنائب السابق فؤاد بطرس في مذكراته حكاية السنوات التي أدت الى الحرب وتفكك الدولة وقول الرئيس شهاب له: "يجب ان نبني دولة تضم اليها اللبنانيين لأنه لا وطن من دون دولة" لينهي هذه المذكرات بالقول: "ان لبنان دولة فاشلة منذ البداية عاجزة عن القيام، وقد امسك بمقاديرها سياسيون بلا ضمائر او مشاعر وان الرئيس شهاب قال له: "لقد راقبت السياسيين من قيادة الجيش ووجدت ان المصلحة الخاصة والفساد والمراوغة والاقطاع أمور مستشرية جداً، وان الشيء الوحيد الذي يسير في خط مستقيم في لبنان هو القطار (…)".

المصدر:
النهار

خبر عاجل