لا شكّ ان "حرب برج أبي حيدر الصغيرة" التي وقعت بين جمعية "المشاريع الخيرية" و"حزب الله"، والتي استعملت فيها مختلف أنواع الأسلحة الخفيفة والرشاشة وحتى تلك الصاروخية من نوع "ار بي جي"، تطرح الكثير من علامات الاستفهام والأسئلة التي لا يزال قسم كبير منها غامضاً حتى هذه اللحظة.
هذه الحرب البشعة والخاطفة، توسّعت رقعة نيرانها وانتقلت الى أحياء أخرى من بيروت، فأعادت الى الأذهان مشاهد تلك الاشتباكات الميليشياوية إبان الحرب الأهلية وبعض الأحداث الدموية الأخرى، والتي كان آخرها "بطولات" السابع من أيار عام 2008، عندما احتلت العاصمة واعتدي على سكانها، وعندما كانت الكلمة الفصل لعصابات القتل المتنقل بين الأزقة والأحياء… واليوم ها هي اشتباكات برج أبي حيدر تسلط الضوء من جديد على مسألة السلاح غير الشرعي المنتشر في كل بيت من بيوت تلك "المدينة الملعونة" التي تلاحقها روائح النار والدخان ولا يفارقها طعم البارود.
"بيروت مدينة منزوعة السلاح "… شعار يجب أن يُردد في كل بيت، وعند كل زاوية من زوايا تلك المدينة التي تُعاني من الممارسات "البلطجية" المتكررة في شوارعها ودهاليزها وساحاتها، فهل يجوز تكرار الأخطاء والمشاهد الدموية وترك الأمور على حالها، في وقت ضاق أهالي العاصمة ذرعاً من عودة هذا الفلتان الميليشياوي المسلّح الى الأحياء الداخلية من عاصمتهم، ليهدد استقرارهم ووجودهم وممتلكاتهم، وليزرع في نفوسهم الشكّ والترقّب والاضطراب؟.
هل يُعقل أن تُحرم بيروت من السلام والطمأنينة، فتراها تعيش كل يوم على وقع انتظار المجهول واستقبال رصاصات النار ووابل القنابل والصواريخ الحارقة بين الأهل والاخوة والجيران؟ ولماذا استمرار المسلحين بفرض سلطتهم في ظلّ وجود دولة يُقال عنها إنها قادرة وقائمة بمؤسساتها؟ والى متى هذه المعالجات التي لا تحسم ولا تجزم ولا تضرب بيدها على الطاولة، إذ يتم الاكتفاء بعد كل حادث أو اشتباك ببعض البيانات والشعارات وبعض اللجان الشكلية والصورية التي تغيب بعد أيام عن الأنظار وعن السمع؟ فهل يجوز أن تبقى بيروت "ست الدنيا" مدينة الميليشيات وعاصمة "للتوتر الدائم"؟
ما حصل في برج أبي حيدر يوم الثلاثاء يؤكد ضرورة أن تكون بيروت خالية من السلاح والميليشيات، وأن يكون للقوى الشرعية من الجيش اللبناني والقوى الأمنية مهمة ضبط الأمن والحفاظ على حالة الهدوء والاستقرار في المدينة، ومنع أي مخالفات أو انتهاكات واعتداءات يمكن أن تحصل، فهل يعقل أن تُترك "أرتال" السلاح مكدّسة بين أيدي بعض الشلل والشبّان لتستعمل في كل إشكال فردي أو حزبي او ميليشيوي؟ والى متى استمرار الفوضى والفلتان في لبنان؟ والى متى الأمن بالتراضي والمسايرة والواسطة؟
لا يجوز بعد اليوم الاختباء تحت ستار كثيف من التبريرات والأسئلة والمخاوف، ولتتحمل الدولة مسؤوليتها الكاملة، ولتتخذ إجراءات وخطوات جريئة وواضحة لحلّ هذه المعضلة المتفاقمة، تماماً كما قال دولة رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، الذي أكد أن انتشار السلاح في كل شارع وحيّ لم يعد مقبولاً، مشيراً الى أن اللجنة التي شكلها مجلس الوزراء لمعالجة ظاهرة تفشي السلاح "ستتخذ القرارات الجريئة، ولنر بعد ذلك من سيقف في وجه هذه القرارات حين نتخذها"، ومطالباً كل القوى السياسية بـ"ضبط الشارع ورفع الغطاء عن المخلين بالأمن والاستقرار". ولهذا لا بد من خطوات تعاقب وتحاسب وتردع أي مخل بالأمن من الاعتداء مجدداً وترويع الناس. خصوصاً وأن الاشتباكات الأخيرة كادت أن تشعل النار من تحت الرماد وأن تؤدي الى فتنة مذهبية جديدة من شأنها أن تغرق البلاد بأكملها في المجهول.
مسؤولية كلّ من فخامة رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس الحكومة سعد الحريري وكل القوى السياسية والأمنية كبيرة جداً وأساسية كي لا يبقى "بيروت مدينة منزوعة السلاح" مجرد شعار لا أكثر ولا أقل، إذ أن المطلوب بذل جهود مضاعفة لاستدراك الأمر قبل وقوع الكارثة.
نريد بيروت مدينة منزوعة السلاح اليوم قبل الغد، على أن لا يكون في شوارعها أي مسلح، سوى القوى الشرعية، وأن يُمنع أي ظهور مسلح فيها، وأن تتم مداهمة الأماكن التي يوجد فيها سلاح ثقيل ومستودعات أسلحة داخل الأحياء السكنية ومصادرتها. وإلا فحمام "الدم الرخيص" سيبقى يغدر بنا إلى ما لا نهاية.
ليس جديداً اعتبار سلاح المقاومة و"حزب الله" ساقطاً في شوراع بيروت منذ استخدامه في 7 أيار 2008 حيث قتل المواطنون وانتهكت حريتهم وحرمة عيشهم. كما أن أي انتشار غير شرعي للسلاح من شأنه أن يُنذر بعواقب وخيمة تؤثر على الاستقرار وتقلب الأمور رأساً على عقب وتعيد البلاد الى فترات سوداء نحن بغنى عنها، (مع الإشارة الى أن الاشتباك الأخير وقع بين حليفين مفترضين في السياسة)، وبالتالي يجب على حزب الله المتضرر الأكبر من حادثة برج أبي حيدر أن يعيد حساباته وأن يثبت وجهة هذا السلاح نحو الجبهة الجنوبية بدل التهديد به والتلويح فيه كل فترة من الفترات، وأن يكف عن الاستقواء بهذا السلاح في سبيل تنفيذ أجندات خارجية اقليمية، وفي سبيل عرقلة قيام الدولة الحرة والسيدة. ومن جهة أخرى، على كل النتظيمات الأخرى التي تتغنى بسلاحها وتستعرض عبره العضلات أن تعي أن الدولة وحدها تحمي كل القوى والأحزاب والمواطنين، وأن لا استمرار لأي سلاح لا شرعي بوجود القوى الأمنية والجيش والمؤسسات، فأين قرار الدولة يا ترى؟ ومتى يُتّخذ القرار الجريء الذي يُعلن بيروت عاصمة منزوعة السلاح؟ أم أننا سنبقى نعيش وسط غابة من الجيوش والقبائل والعشائر؟…