السيادة في القاموس السياسي الدولي هي السلطة العليا للدولة في أدارة شؤونها في الداخل وفي علاقاتها الخارجية. وهذا يعني أن للسيادة وجها داخليا يتمظهر في امتلاك الدولة لأحادية القرار والسلطة، بمعنى أن الدولة هي وحدها صاحبة السلطة من دون شريك على كامل مساحة الوطن ووجها خارجيا يتمثَل في علاقاتها بغيرها من الدول ضمن حدود احترام استقلال كل دولة وعدم جواز التدخَل في شؤونها الداخلية.
وأذا استندنا الى هذا التعريف، نستنتج أن السيادة ركن من أركان الدولة بالأضافة الى الأرض والشعب، والدولة التي تتمتَع بالسيادة ينبغي ألاَ تخضع لأي سلطة غير سلطتها. فالسيادة صفة ملازمة للدولة لا تستمدَها من غير ذاتها ولا يشاركها فيها غيرها. من هنا أصبحت السيادة شعارا للكرامة الوطنية باعتبارها أفضل تجسيد لمعاني الحرية والأستقلال وحق تقرير المصير.
أما مواصفات سيادة الدولة، بحسب الممارسة، فهي أنها مطلقة لا سلطة أعلى منها، وهي شاملة تنسحب على جميع المواطنين والقاطنين ضمن حدود الوطن، وحصرية لا تقبل التجزئة،أي أنه لا يوجد من ينافس الدولة في ممارسة السيادة وفرض السلطة على المواطنين. وهي لا تقبل التنازل عنها ففقدانها يعني فقدان مبرَر وجود الدولة ذاتها، كما أنَها لا تسقط بفعل مرور الزمن. إنَ السؤال البديهي الذي يطرح نفسه في هذا المجال هو: هل تملك الدولة اللبنانية مواصفات السيادة في ظلَ الوضع القائم؟
الحقيقة اننا نعيش في "جمهورية الموز"، وهو مصطلح ساخر يطلق للأنتقاص من نظام غير مستقر في دولة حكومتها صورية. والسبب يعود الى كون الدولة هيكلا فارغا، والى وجود مرجعية زعائمية مسلَحة تقبض على المفاصل الأساسية في الدولة بلا مراعاة أو اعتبار للقانون، هدفها أتلاف المؤسسات الديمقراطية وجعل الدولة غير مستقرة القرار. والأدهى أنَ هذه المرجعية الشعبوية تعمل على تنشئة أناس مفخَخين بأفكار منافية لمشروع الدولة، كما تشهر سلاحها لتروَض كل من تسوَل له نفسه مخالفتها ولو عن وجه حق. وفي المقابل تبدو الدولة عاجزة كليا عن الحراك لاسترداد "حقَها" السليب في السيادة ممَن انتزعه منها بالقوة. لا بل نجد الدولة في المفاصل التي تستدعي المواجهة، تتملَق وتمارس وضعية الأنبطاح لكي تحظى ببعض المشاركة التي تسمح بها المرجعية المهيمنة وتحدَد مساحتها. وما المسرحية المهزلة التي عاينَاها فصولا أبَان أحداث برج أبي حيدر وفي ما تلاها، سوى البيان القاطع على خنوع الدولة وعجزها الفاضح عن الدفاع عن سيادتها، خصوصا في موقفها المرتضي لحيثية الأمن بالتراضي. هذا الموقف "الخاضع" لا يعزَز صورة الدولة عند مواطنيها، ويمسَ علاقتهم بها بشكل سالب.
إن تشكيل لجنة وزارية لمتابعة الحادث ودراسة تبعاته يعتبر ذروة التنازل والخضوع، بدلا من اتخاذ الأجراءات الفورية للسيطرة على الأرض، وذلك ايفاء من الدولة لحق المواطنين عليها بتأمين الأمان لهم والطمأنينة. وكم كنَا نتمنَى لو يصاب المسؤولون عندنا بـ " فيروس " الكرامة، وألاَ يتمَ شفاؤهم منه أبدا.