#adsense

حتى لا يكون لبنان “ساحة تبادل رسائل وتسديد فواتير”

حجم الخط

اذا كان شهر ايلول هو شهر الاستحقاقات الاقليمية بامتياز، فإن في مقدمة هذه الاستحقاقات وأهمها استئناف عملية السلام على المسار الفلسطيني – الاسرائيلي بعد توقف استمر خمس سنوات. ويأتي هذا التطور في ظل تحول ملموس في النظرة الاميركية إلى السلام في الشرق الاوسط وانخراط أقوى وأفعل من جانب ادارة الرئيس باراك أوباما في جهود احياء وتحريك وتفعيل عملية السلام، لا سيما على المسار الفلسطيني حيث القضية المركزية ويكمن جوهر الصراع العربي – الاسرائيلي. فالاميركيون وبعدما "نزلوا" إلى ارض المنطقة وخبروا قضاياها ومشاكلها عن قرب وحددوا مكامن الخلل في سياساتهم وخططهم "الطموحة"، باتوا على قناعة بأن السلام في الشرق الاوسط هو حاجة وضرورة استراتيجية وله علاقة وثيقة بمصالح اميركا وأمنها القومي، كما بالامن والاستقرار الاقليمي والدولي. فمن غير الممكن مكافحة التطرف والارهاب والاصولية طالما القضية الفلسطينية لم توضع على سكة الحل النهائي العادل والشامل، وطالما استمر الصراع مع اسرائيل يشكل مصدراً اساسياً من مصادر تغذية التطرف وتشجيع الارهاب في المنطقة والعالم. ومن غير الممكن انحسار حال الحذر والكراهية في العالم العربي والاسلامي تجاه الولايات المتحدة طالما استمرت السياسة الاميركية على حالها من الانحياز إلى اسرائيل ومن عدم البحث عن حلول جدية ونهائية للقضية الفلسطينية التي هي قضية العرب والمسلمين الاولى والسبب الاول في ابتعادهم عنها وعدم الوثوق بها وعدم الانخراط في برامجها التي تندرج تحت عناوين جذابة مثل تعزيز الديمقراطية ومكافحة الارهاب…
ومن هنا، فإن الدعوة الاميركية إلى استئناف مفاوضات السلام تكتسب هذه المرة جدية وأهمية اكثر من اي وقت مضى، لأنها لا تندرج في اطار مناورات كسب الوقت أو كسب الرأي العام، ولا تأتي من فراغ، وانما تعكس تغييراً في مقاربة أزمة الشرق الاوسط وفي اسلوب التعاطي والتصرف، خصوصاً اذا صحت المعلومات التي تتحدث عن تقدم فعلي وجوهري احرزه المبعوث الاميركي الخاص إلى الشرق الاوسط جورج ميتشيل على صعيد بلورة اتفاق سلام نهائي بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية على اساس "حل الدولتين"، وبحيث تكون المفاوضات المباشرة لتظهير هذا الحل وتحديد تفاصيله وترتيباته. وفي هذه المعلومات ايضاً ان "حل الدولتين" يرتكز إلى حدود العام 1967 مع استثناءات وتبادل اراض، وإلى القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، وإلى ترتيبات أمنية تشارك فيها قوات دولية لحفظ السلام مستقبلاً…

اذا كانت عملية السلام على المسار الفلسطيني تستند إلى دينامية اميركية جديدة تمدها بقوة الاستمرار والنجاح، فإنها تواجه عقبات وصعوبات يمكن ان تحد من زخمها وان تجعل مصير ونتائج هذه الجولة التفاوضية الجديدة ليس افضل من مصير ونتائج جولات سابقة. فمن جهة، هناك التطرف الاسرائيلي المتمثل في حكومة اليمين المتطرف برئاسة بنيامين نتنياهو والتي لا تمارس سياسة التكيف مع الخطة الاميركية إلا بهدف احتوائها وافراغها من مضمونها. ومن جهة ثانية، هناك حالة الانقسام الفلسطيني العميق على المستويين السياسي والجغرافي، بما يجعل القرار الفلسطيني مشتتاً بين كيانين ومشروعين، وان أي تسوية لا تحظى بتوافق وطني فلسطيني ستكون فرصها في النجاح والتطبيق ضعيفة جداً هذا حتى لا نقول معدومة.

نحن في لبنان أكثر المعنيون بالوضع الفلسطيني ووحدة الصف والموقف بين الفصائل الفلسطينية التي يفترض ان وحدة اهداف ومصير تجمعها. ومعنيون خصوصاً بحصول مصالحة فلسطينية وتشكيل حكومة وحدة وطنية تكون قادرة من جهة على جبه كل محاولات تضييع وتمييع الحقوق الفلسطينية المشروعة واولها حق العودة ، وتكون كافية لقطع الطريق على مشاريع الفتنة الفلسطينية والاقتتال الداخلي الذي سرعان ما يصيب شظاياه أمن واستقرار المخيمات الفلسطينية في لبنان التي هي جزء لا يتجزأ من الاستقرار اللبناني خصوصاً ان هذا البلد الصغير قد تحمل ما لم يتحمله أحد من مصائب وويلات ودفع آلاف القتلى والجرحى والمعوقين والخسائر المادية الكبيرة نتيجة لاستقباله للفلسطينيين على ارضه منذ عشرات السنوات وحتى اليوم وقدم للقضية الفلسطينية ما لم يقدمه اي بلد اسلامي أو عربي آخر.

وطالما ان الوضع الفلسطيني ما زال على حاله من الانقسام والتشرذم، يحق لنا كلبنانيين ان نتخذ كل ما يلزم من مواقف واجراءات لضمان أمن واستقرار الوضع في لبنان والمصلحة الوطنية العليا. فلا يكفي ان يطالب الفلسطينيون بحقهم في حياة كريمة وهو حق طبيعي ومشروع، وانما عليهم ان يتمسكوا بحق العودة إلى ارضهم وبرفض التوطين وان يتفاعلوا ويتعاونوا مع الدولة اللبنانية لفعل كل ما يصب في خدمة هذا الهدف. ولا يجب ان يطالب الفلسطينيون بحقوقهم وينسوا واجباتهم تجاه لبنان حكومة وشعباً، وفي مقدمة هذه الواجبات وفي اساسها اقفال القواعد العسكرية خارج المخيمات وضبط السلاح الفلسطيني داخل المخيمات وتحديد آلية العلاقة بين المخيمات والسلطات اللبنانية وبما يجعل الجيش اللبناني مرجعية وسلطة أمنية للمخيمات وتكون عبره سلطة الدولة وسيادتها مؤمنة على كل الاراضي اللبنانية من دون جزر امنية وبؤر تطرف واصولية وارهاب.

فعل اللبنانيون ما عليهم واعطوا الفلسطينيين ما يمكنهم من تحسين اوضاعهم الحياتية وما لا يصب في خدمة التوطين… ويبقى على الفلسطينيين ان يفعلوا ما عليهم وان يردوا على التحية اللبنانية بالمثل فيبادروا إلى تسليم سلاحهم ووضع انفسهم في تصرف وحماية الدولة اللبنانية. ولعل جزءاً من ذلك تقع مسؤوليته على عاتق لبنان ، حكومة وهيئة حوار ، وحيث يجب وضع توصيات على طاولة الحوار الوطني وما اجمع عليه اقطاب الحوار في موضوع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات موضع التطبيق الفعلي ومن دون ربطه تارة بحوار لبناني – فلسطيني حول الحقوق والاوضاع الفلسطينية في لبنان ، وتارة اخرى بعملية السلام ومسارها والتوصل إلى حل عادل وشامل .

على الفلسطينيين ان يعطوا لبنان ما يترتب عليهم من واجبات تجاهه ، وعلى الدولة اللبنانية ان تتحمل مسؤولياتها وكل ذلك في سبيل منع تكرار حالات وتجارب سابقة مكلفة جعلت من لبنان ، في لحظات واستحقاقات اقليمية مفصلية ، ساحة لتصفية حسابات وفواتير ، أو علبة بريد لتمرير وتبادل رسائل ساخنة، وجعلت اللبنانيين كل مرة حصلت فيها مفاوضات سلام يضعون ايديهم على قلوبهم ويخشون اذا حصل فشل واخفاق ان يكون لبنان اولى ضحاياه ، واذا حصلت تسوية ان تكون على حسابه…

المصدر:
صدى البلد

خبر عاجل