الدولة مصرّة على اتخاذ إجراءات قابلة للتنفيذ لحماية المواطنين
استمرار بيروت ساحة للتجاذبات الإقليمية يحول دون نزع السلاح فيها
استبقت التئام اللجنة الوزارية التي الفها مجلس الوزراء لدرس منع تكرار الاشتباكات التي وقعت الاسبوع الماضي في بيروت، تصريحاتٌ هدفت الى التقليل من اهمية العزم الذي ابداه رئيس الوزراء سعد الحريري وقدرة الحكومة على اتخاذ قرارات تحمي العاصمة وتجعلها منزوعة السلاح. وقد تذرعت هذه المواقف بجملة اسباب بعضها ان القرار الذي يحمي العاصمة هو قرار سياسي قبل ان يكون امنياً، من دون ان يعني ذلك انه يتخذ على طاولة مجلس الوزراء او على طاولة الحوار التي توصلت حتى الآن الى قرارات لا قدرة للدولة على تنفيذها. وفي هذه النقطة المتعلقة بالقرار السياسي امران: احدهما موقف "حزب الله" الذي سارع الى الرد على المطالبات البيروتية بجعل العاصمة منزوعة السلاح بان المسألة تطول سلاح "المقاومة"، من اجل تبرير رفضه سلفا اي قرارات او اجراءات تتصل بسلاحه في بيروت، ومسارعة مسؤولي "جمعية المشاريع الخيرية الاسلامية" الى دمشق على اثر الاشتباكات وعودتهم منها بقرار بدعم الحزب، في حين كثرت التأويلات عن خلافات بين حلفاء دمشق. وهذه الخطوة الاخيرة وحدها كفيلة باظهار العاصمة السورية مرجعية ترفع عن لبنان القدرة على بت هذا الموضوع ما لم يتعاون مع دمشق في تطبيق ما يرجو تطبيقه في مجال نزع السلاح في العاصمة. ولعله لهذه الاسباب كثرت التكهنات عن زيارة قريبة يقوم بها الحريري لدمشق، علما ان هذه الاخيرة لم تظهر اي تعاون حتى الآن في موضوع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات.
ومن الاسباب ايضا أن هذه التجربة خيضت مرارا من دون نتيجة تذكر ايام الحرب وبعدها وفي زمن الوصاية السورية على لبنان. ويقول اصحاب هذا الرأي ان اي شيء لم يتغير على هذا الصعيد على رغم اختلاف ظروف سياسية عدة. ذلك ان لبنان لا يزال محكوما بواقع اقليمي يجعل من الصعب جعل بيروت مدينة منزوعة السلاح لانها لا تزال تشكل حتى اشعار آخر المتنفس للصراعات الاقليمية. إن الرؤية من الخارج لواقع لبنان اقله في السنة الاخيرة التي تلت الانتخابات النيابية وتأليف هذه الحكومة، تفيد انه عاد ليكون ساحة للتجاذب الاقليمي، ولو انه لم يفقد هذه الصفة قط، لكن هذا الخارج يرى في ضوء ما جرى اخيرا من تطورات، بما فيها زيارة الملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز لبيروت يرافقه الرئيس السوري بشار الاسد ان لبنان هو على خط التوافق الدقيق جدا بين قوى اقليمية اضطرت الى المجيء الى بيروت لتأكيد توافقها وتعميم مفاعيله على الوضع اللبناني. ويبدو ان هذا الخارج بات يسلم بهذا الواقع الى حد ان احداثا مماثلة لا تثير اهتمامه كثيرا ما دامت تدرج في مقتضيات التجاذب الاقليمي. وتقول مصادر معنية ان لا اوهام لديها على الاطلاق بالقدرة على انجاز هذا الامر بسهولة، لان الامر ليس سهلا ولا بسيطا، لكن لا يمكن ولا يجوز التسليم بذلك في اي ظرف كان.
وتاليا لا يعني هذا ان على الدولة اللبنانية ان تقف مكتوفة اذ ان ما حصل يصيب كل من رئيسي الجمهورية والحكومة بضرر كبير، اذ ان الرئيس ميشال سليمان كان استقبل قبل ساعات من وقوع الاشتباكات وفد نقابة المحررين وطمأنه الى الوضع. والرئيس الحريري الذي لم يكن في موقع المسؤولية حين وقعت احداث 7 ايار 2008 يأخذ على عاتقه من موقعه المتعدد حاليا مسؤولية توفير الامن للعاصمة واهلها ولا يمكنه ان يتهاون في هذا الاطار لاعتبارات تتعلق بموقعه السياسي الذي يوجب عليه توفير الحماية للمواطنين كما تتصل بموقعه على رأس كتلة نيابية تمثل العاصمة على وقع رفض شعبي لحادث قيل انه فردي وألحق هذا الضرر الكبير بالناس.
اما ما يمكن الحكومة ان تقوم به بعيدا من اي اوهام، فهو اتخاذ تدابير قابلة للتنفيذ من دون ان يعني ذلك انها لا تشكل تحديا من حيث نجاحها او عدمه. وهذا الامر ممكن عبر وضع المسؤولين العسكريين امام مسؤولياتهم وعدم حصر دورهم في الداخل بالاسعاف او الفصل بين المتقاتلين في وقت يطالب مواطنون كثر بدور اكبر للجيش اذ لا يزال عالقا في اذهانهم ما حصل في 7 ايار حين لم يتدخل، اذ يثير عدم تدخل الجيش اشكالات عدة، لان لا امر لديه من السلطة السياسية، في حين يقول مسؤولون معنيون انه لا يحتاج الى امر من هذه السلطة ما دام مكلفا مؤازرة القوى الامنية التي لا قدرة لها على ما يبدو في ظل هذا الواقع على الاضطلاع بهذا الدور، وخصوصا ان حملة دعمه لبسط سيطرته على كل الاراضي اللبنانية لم تضع اوزارها بعد منذ انطلاقها على اثر الاشتباكات بينه وبين الجيش الاسرائيلي في عديسة في 3 آب الجاري.