#adsense

المعركة مع المحكمة” وصف يختصر به “حزب الله” طبيعة المرحلة

حجم الخط

المعركة مع المحكمة" وصف يختصر به "حزب الله" طبيعة المرحلة
المعادلة المدنيّة قادرة على تفكيك صاعق "التخوين والتعنيف والتخويف"

لم ينتبه الكثيرون، في حمأة معركة برج أبي حيدر، إلى استخدام أمين عام "حزب الله" السيد حسن نصر الله الذي كان يتحدّث في موازاة الحدث وقتها، لمصطلح "المعركة" بقصد وصف طبيعة الصراع الذي يخوضه مع المحكمة الدوليّة الخاصّة بلبنان، وبالتالي بقصد وصف طبيعة "المرحلة".

يطرح ذلك بالتأكيد علامات استفهام حول الميدان المرتقب للمعركة، وحول طبيعة الأسلحة التي ستستخدم فيها، خاصة وأنّها لن تكون "معركة مباشرة" مع طاقم المحكمة الدوليّة بحدّ ذاته، وتعطف على هذه علامات استفهام حول القول الأخير للنائب نوّاف الموسويّ الذي ذهب إلى أنّ هناك من يستفيد من حادثة برج أبي حيدر "للتوصّل إلى إجراءات من شأنها غلّ أيدي المقاومة في الدفاع عن نفسها في ما لو صدر القرار الظني باتهامها". إلى ذلك، فإن وصف المرحلة بـ"المعركة" ضدّ المحكمة الدوليّة يبيّن حجم الإختلاف بين أسلوب 8 آذار في التعاطي مع هذا الملف، وبين الأسلوب السودانيّ في التعاطيّ مع المحكمة الجنائية الدوليّة. فالأسلوب السوداني عدّ قرارات هذه المحكمة تدخّلاً إستعمارياً كلاسيكياً وآثر التظاهر بـ"اللامبالاة" مستخفاً بقرار توقيف الرئيس. أمّا أسلوب 8 آذار فهو يستبق القرار الظني، ويعرض مضامين قرار لم يفرغ بعد من كتابته، ويطالب في الوقت نفسه بإلغاء القرار الظنيّ. وهذه العبثية الممعنة في "المجال الإفتراضي" تترجم نفسها أصنافاً غير مسبوقة من التوتّر الخطابيّ والسياسيّ والأهليّ والأمنيّ والنفسيّ إلى درجة تضيع معها آخر مظاهر الكاريزما والمحاجّة في هذا الفريق، وتتصدّع فيها معادلة "التخوين والتعنيف والتخويف".

وهنا بالذات بيت القصيد اليوم. إذا كان هناك من يخوض "معركة" مع "المحكمة الدوليّة" من دون أن يكون ميدان هذه المعركة هو المحكمة نفسها، فثمّة أكثريّة لبنانية آن لها أن تباشر بتفكيك معادلة "التخوين والتعنيف والتخويف" التي تحكم البلد بشكل مثقل على الأقل في السنتين الأخيرتين. بمعنى آخر، فإن إعادة الوصل بين الحركة الإستقلالية والمجتمع المدني لأجل تفكيك هذه المعادلة هو الطريق الإجباريّ لإنقاذ البلد، وإنقاذ المؤسسات والسلم الأهلي. أمّا المحكمة الدولية فلا داعي لإنقاذها لأن لا خطر عليها، والجميع بات يعرف ذلك في سرّه اليوم.

لقد بيّنت الفترة الأخيرة عن استعادة المجتمع المدنيّ لحيويّته بشكل جزئيّ، وعن عودة اهتمام الحركة الإستقلاليّة بهذا المجتمع المدنيّ أيضاً بشكل جزئيّ، والمطلوب اليوم تكثيف العمل في هذا الإتجاه لأنّ ما كان غائباً في 7 أيّار 2008 لم يكن السلاح في مواجهة السلاح، وإنّما المجتمع المدنيّ الحيويّ المناضل كما عبّر عن نفسه في أيّام إنتفاضة الإستقلال وثورة الأرز. بقدر ما يكون المجتمع المدنيّ ناهضاً في الأسابيع والأشهر المقبلة بقدر ما تكون المرحلة هي معركة مظفرة للديموقراطية والعدالة وسيادة القانون وحقوق الإنسان وثقافة السلام. معادلة المجتمع المدنيّ الحيويّ في مواجهة "التخوين والتعنيف والتخويف" تعني إذاً: أقصى "لاعنفية" يبديها هذا المجتمع المدنيّ، وأقصى مطالبة من جانب المجتمع المدني للدولة وقواها الشرعيّة لممارسة واجباتها "القامعة" للمخلّين بالأمن والخارجين على القانون.

وهنا لا يُفهم بالمجتمع المدنيّ "جمعيّات وروابط" بقدر ما يفهم به المجتمع المدنيّ بمعناه الجماهيريّ الأوسع، أي بالمعنى الذي يشمل البيئات المنخرطة في الأحزاب السياسية الإستقلاليّة كما البيئات الإستقلاليّة المستقلّة. وبعد حادثة برج أبي حيدر ثمّة فرصة تاريخية لكي تولد وتكبر كرة ثلج مدنيّة في هذا الإتجاه، كما كانت قد برزت في بداية هذا الشهر كرة ثلج مدنيّة أخرى تتعلّق بمبادرة بعض هيئات المجتمع المدنيّ الإستقلاليّ إلى الإعتصام دفاعاً عن المحكمة الدوليّة، ثم دفاعاً عن الحرّيات.

يمتلك الشعب اللبنانيّ مقدّمات أساسيّة للدفاع عن نفسه: المحكمة الدولية، القرار 1701، إتفاق الدوحة في ما خصّ تحريم اللجوء الى العنف. هذه المقدّمات ستكون كافية تماماً لضرب معادلة "التخوين والتعنيف والتخويف" فيما لو تحرّك المجتمع المدنيّ على هذا الأساس، وهذا الأمر هو الآن ضروريّ، وأكثر من واقعيّ، وسيشكّل الفارق الأساسيّ عن 7 أيّار، وعن أيّ مشاريع أو أحلام "إنقلابيّة" أو "فتنوية".

وشرط ذلك هو تطوير قناعتين. القناعة الأولى بأنّ الفريق الفئويّ الشموليّ هيمنيّ وتوسّعي وإنقلابيّ في طبيعته. القناعة الثانية بأنّ المناعات والمضادات الحيوية اللبنانية غير قليلة وبعضها يمكن ان يكون مفاجئاً بالنسبة الى أي توجّه إنقلابيّ فئويّ. بمعنى آخر يمكن المجازفة بالمعادلة التالية: هذا الفريق مشبّع بالسلاح بما فيه الكفاية، لكنّ إنعدام أي خصوصية وطنيّة لديه عن مصادر توجيهه وتعبئته وتمويله تفقده أي ثوريّة ضروريّة لممارسة الفعل الإنقلابي بشكل متقن.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل