أخطر ما في المحاججة المفتوحة راهناً مع أصحاب السلاح والميليشيات في بيروت وغيرها هو كشفها (من جديد) نمطاً مميزاً من الأداء الذي لا يرى إلا مصلحته، أو ما يفترض أنها كذلك.
وأخطر ما في ذلك النمط، هو افتراض أصحابه أنهم البداية والنهاية، ونسيج قائم بذاته، لا يُقارن ولا يُشبّه بأي حالة مماثلة، وأنهم بعد ذلك بقليل أصحاب تفويض استثنائي تعمّد من خلال مواجهة الإسرائيليين والانتصار عليهم (تحرير عام 2000)، ثم الصمود في وجههم (حرب تموز 2006).
وذلك الأداء الفرعي هو وليد سياق أصلي. أو بالأحرى نتاج مدرسة معروفة تقوم على التصرف وفق ما تمليه تلك المصلحة الذاتية بغضّ النظر عن مصالح الآخرين، قريبين كانوا أم بعيدين، وأخصاماً كانوا أم أصدقاء، وأعداء كانوا أم حلفاء!
مدرسة تعني بتفاصيلها، أن يستهجن صاحب السلاح رد الفعل على فعله، ويفترض أن القضية تكمن هنا وليس في خطيئته أصلاً. يستهجن أن يقول اللبنانيون المضروبون بكل مصائب الدنيا وهمومها معيشياً واقتصادياً وتنموياً وبيئياً وكهربائياً ومائياً وسياسياً وأمنياً وعسكرياً، أن قدراتهم نضبت وأن أكتافهم ناءت بأثقالها… وأن استبدال شوارعهم وبيوتهم وأرزاقهم في بيروت بمواقع الاحتلال السابقة في بنت جبيل والخيام ومرجعيون وتحويلها في ليلة ليلاء الى مسرح اشتباكات بكل أنواع الأسلحة على مدى خمس ساعات كاملات كالحات، هو أمرٌ لا يقرّه دين ولا منطق ولا عقل ولا قلّة عقل ولا أخلاق ولا قلّة أخلاق..
يصير صراخ الضحية هو الأصل وليس فعل الجلاّد وصلافته وإجرامه. ويصير الصوت المدني العاري الصارخ ضد صوت الرصاص والقذائف هو المدان وليس من أطلق ذلك الرصاص وتلك القذائف.. وتصير جولة رئيس الحكومة سعد الحريري التي تفرضها موجبات المسؤولية الوطنية والأخلاقية والشرعية هي المستهجنة والمدانة وليس ارتكاب معصية الحرق في الأساس. وهي (بالمناسبة) معصية لم تُسجَّل في أسوأ وأظلم وألعن أيام الحرب الأهلية؟!
.. نفعل كل شيء لتأكيد الذات السياسية وغير السياسية، ونرفض قرار الآخرين بالرد (فقط) لتأكيد انتماءاتهم وأصالتهم والدفع بالتي هي أحسن بدل الدفع بآليات الموت والدمار للانفلات بين الناس..
نقيم الدنيا لأن أربع خرطوشات صيد أطلقت في عيون أرغش، ونريد لمن عاش رعب الاشتباكات أمام بيته وأولاده وأرزاقه أن يصمت على انفلات مئات المسلحين على هواهم في شوارع الأحياء السكنية في العاصمة.. قبل كل ذلك (تذكّروا) نخترع قضية من حالة ملتبسة من أساسها في جريمة 14 شباط وننسى الجريمة نفسها!!!
على هذا المنوال ينسج أصحاب السلاح أثوابهم الفكرية ومواقفهم السياسية. ويريدون إلباسها لغيرهم شاء هؤلاء أم أبوا، قبلوا بذلك القياس أم رفضوا.
مدرسة مفرطة في أنانيتها وتطرفها وذهابها في أحكامها وأعمالها الى الآخر دائماً. لا تتوقف (ولا يهمها) أن تتوقف عند الآخرين في أي شأن ومعطى وهمّ وطني وعام… تفترض أن مصالحها ومشروعها أكبر وأهم من مصالح وطنية (وإسلامية) عامة وشاملة. وإذا ما سُئل أساطين تلك المدرسة عن ذلك أجابوا بإخراج ما في عدّتهم من ردود الصد والنفي والتخوين. وناموا بعد ذلك في كتب التشظي المذهبي، هانئين بحلمهم عن وأد الفتنة! فيما واقعهم وممارساتهم تفعل عكس ذلك تماماً؟؟