الفارق الجوهري في التفكير بالمستقبل الذي يجب ان يكون عليه لبنان مؤشر اكيد على ان لا مكان للتفاهم مع حزب يضع الفوضى في مقدمة سياساته، ويعمل على تعميمها، ليس حبا بالفوضى بحد ذاتها، بل لأن فيها سبيلا لنشر التعيمة الكاملة على الشعب اللبناني بينما يعمل الحزب بأريحية على تنفيذ برنامجه الايديولوجي تنفيذا للدور المحدد سلفا والمرسوم في ايران.
الرغبة العارمة في سيادة الفوضى على كل الاراضي اللبنانية ليست توجها جديدا لـ"حزب الله" لكنها تتأكد يوما بعد آخر وتتثبت من خلال واقعة بعد أخرى. الاشتباكات الاخيرة في برج ابي حيدر ومحيطها ليست خارجة عن هذا السياق، ويؤكد ذلك التصاريح الصادرة عن اوركسترا "حزب الله" من نواب وملحقين باحثين عن دور "كومبارس" يؤدونه في مسرحية الحزب الهزلية.
نواب "حزب الله" يرفضون عاصمة منزوعة من السلاح بحجة ان سلاح المقاومة يجب ان يعم الاراضي اللبنانية كلها. هم يرفضون ان تكون المناطق مقسومة بين سياحية وقتالية، متناسيين ان غالبية الشعب اللبناني تريد كل المناطق للسياحية والاصطياف والهدوء.
اما السياحة عند "حزب الله" فلها طابع حربي، ومشروع مليتا خير شاهد. فالحزب عندما فكر في استقطاب السياح لم يجد في حيازته سوى نماذج الصواريخ والاليات الاسرائيلية المحترقة، باختصار الحزب يروج لسياحة القتل والاشلاء والدماء. أما عن البيئة والمحميات الطبيعية ومنتجعات العلاج الطبيعي والترويج لزيارات المواقع الدينية ولسياحة الاستشفاء مثلا فكلها مفردات سقطت من قاموس الحزب.
كل ما يعرفه "حزب الله" هو الترويج للحروب وللقتال ولايديولوجية الموت الكربلائي الذي لا ينتهي، فقتيل هنا واشتباك هناك وصدام هنالك، اقصى ما يطمح اليه الحزب على ارض الواقع في الفترة الراهنة ليجد اوراقا اضافية لكسب الوقت بينما يتلمس طريقه على الجبهات الاساسية الاخرى، من محكمة دولية وتغيرات اقليمية تبدو انها آخذة في التبلور على حسابه.
"حزب الله" اليوم يرفض الدعوات الصادرة عن نواب بيروت وهيئاتها واهلها لتحويلها الى عاصمة خالية من "سلاح الزعران"، الذي يهدد بتحويل اي شجار بين جارين الى معركة. لكن ما هي الاسباب الكامنة وراء رفض مثل هذه الدعوات، التي من شأنها في واقع الامر تحييد سلاح المقاومة عن الانغماس في مستنقعات الاشكالات الفردية وتجنيبه الدخول في الزورايب؟
القراءة المعمقة تشير الى ان "حزب الله" أراد من خلال ما حصل في برج ابي حيدر ان يوجه رسالة الى المجتمع البيروتي مفادها انه قادر على شهر السلاح بوجه اي كان، حتى حلفائه إذا اقتضى الامر، ليدافع عن مسؤول في منطقة، تاركا لأهالي العاصمة وسياسييها وللحكومة والدولة برمتها، تخيّل الرد الذي قد يكون إذا ما اتهمت المحكمة مسؤولين منه، فكيف إذا كانوا قياديين؟ "حزب الله" يريد القول إنه احرق برج ابي حيدر وهو مستعد لحرق بيروت في ساعات، غير آبه لا باتفاق دوحة ولا بقمة سعودية – سورية أو حتى ما هو اكبر من ذلك.
وبالتالي فإن الدفاع المستميت عن السلاح يأتي من باب حفظ الالة التنفيذية، التي ستكفل الدفاع عن مسؤولي الحزب إذا ما اتهمتهم المحكمة.
الواضح ان الحزب لا يتقن لغة القانون ولا يريد اللجوء الى محامين للدفاع، لكنه متجه حكما لاعتماد الخيار الذي يجيد استعماله عند كل مفصل، من احداث مار مخايل الى 7 ايار وصولا الى برج ابي حيدر.