على رغم استحالة الفصل بينهما من الناحية القانونية
التمييز بين القرار الظني والمحكمة "علاج موضعي" لوقف التصعيد
أثارت التصريحات التي أدلى بها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط ولاقاه فيها رئيس مجلس النواب نبيه بري وركزت على التمييز بين القرار الظني والمحكمة الدولية الخاصة بلبنان في اغتيال الرئيس رفيق الحريري اهتماماً واستغراباً في آن لدى أوساط سياسية متعددة، وسألت ما اذا كان هذا التمييز ينطوي على رسالة مشتركة أو كلمة سر اقليمية، إذ لاحظت ان هذه المواقف صدرت بالعبارات نفسها تقريباً أكثر من مرة. وبالنسبة الى بعض السياسيين، فان هذا التمييز مفيد، إذ إنه يحد من الهجوم على كل ما له علاقة بالمحكمة، التي يمكن ألاّ تأخذ بالقرار الظني، لوجود أدلة غير قاطعة به. فالهجوم عليها أمر صعب وخصوصاً متى كانت فئات واسعة من المجتمع متمسكة بالعدالة ومعرفة الحقيقة ويتعين مراعاتها كما يتعين مراعاة المتخوف من القرار الظني لاعتباراته الخاصة. لكن عملياً، يبدو هذا التمييز صعباً، من منطلق عدم القدرة على الفصل بين القرار الظني والمحكمة، لأنه لا يمكن من دونه ان تجري محاكمة، فالمحكمة هي كل متكامل ولا يمكن الفصل بين مكوناتها وفق مراجع قانونية.
وتقول مصادر سياسية معنية ان هناك فارقاً في الصيغة التي تستخدم لهذا التمييز. فقوى الأكثرية تقصد به أن المحكمة بنيت على أعلى المعايير في العدالة الدولية، على ثلاث درجات من المراجعة، الى وجود مكتب للدفاع جنباً الى جنب مع مكتب الاتهام بمعنى ان ثمة تكافؤاً بينهما فضلاً عن ان المحاكمة ستكون علنية وليست سرية. والتمييز بين المحكمة والقرار الظني يفيد بضرورة انتظار صدور هذا القرار من أجل امتحانه ومعرفة مدى ابرازه أدلة قاطعة سيكون للدفاع الحق والقدرة على دحضها بما لديه من معلومات مناقضة أو مغايرة. الا ان استخدام الفريق المقابل هذا التمييز لا يصب في المعنى نفسه، يعني اقله – بحسب المصادر السياسية نفسها – انه ليس ضد المحكمة مبدئياً انما شرط ان يأتي القرار الظني مناسبا للاتهام الذي يناسب هذا الفريق الذي يخشى ان يوجه الاتهام اليه. اي ان القرار الظني يكون مقبولا اذا كان في اتجاه معين ولا يكون كذلك في حال العكس. وهذا امر مفيد وفق ما تقول هذه المصادر، لعدم قدرة اصحاب هذا المنطق على القول انهم ضد العدالة لانها صارت مرتبطة ذهنيا ومعنويا بالعدالة من اجل رفيق الحريري وسائر الشهداء. لذا، فهم ينسجون هامشا لرفض القرار الظني اذا لم يكن يناسبهم، وهذا هو التفسير السياسي لهذا التمييز.
وتقول مراجع قانونية ان القرار الظني افادة، ولا يقسم اليمين من يتقدم بافادته امام المحققين. لكن الشهادة تعتبر كذلك امام المحكمة بعد قسم اليمين. ويمكن المدعى عليه ان ينفي بالبراهين والادلة ما يكون قد تقدم به المدعي العام، لكن ما يجري تناوله لا يتصل بالجانب القانوني للامور بل بالجانب السياسي بحيث تدور الامور لتعود الى المكان نفسه اي عدم القدرة على الغاء المحكمة ايا تكن الاساليب التي تستخدم لذلك، أو ممارسة ضغوط لوقف تمويلها او سحب القضاة اللبنانيين منها وما الى ذلك.
وتقول المصادر المعنية ان هذا التمييز قد يكون مخرجا شكليا موضعيا من اجل تخفيف التوتر ووقف التصعيد الخطابي في موضوع المحكمة في انتظار ان تتضح بعض الامور مع مرور الوقت. في حين ينبغي التوقف عند كلام قاله قبل ايام السفير السعودي علي عواض عسيري من "انه يجب التعامل مع المحكمة الدولية وما سيصدر عنها بالاستناد الى قرار لبنان"، مقترحاً "وضع اللبنانيين خطة للتعامل مع افرازات اي قرار يصدر عن المحكمة كي لا تكون آثاره سلبية على ارض الواقع".
وقد فهم ان هذا الكلام ينفي ما ذهب اليه كثيرون عن نية او وعود اطلقتها المملكة العربية السعودية للعمل على تأجيل القرار الظني او الغائه.
ولذلك تنتظر المصادر المعنية ما اذا كانت وتيرة التصعيد الخطابي ستبقى على حالها على رغم ما ساهمت هذه الوتيرة في اذكائه من اشتباكات في الشوارع في وقت ينبغي ترقب موقفين هذا الاسبوع على الاقل، واحد لرئيس مجلس النواب نبيه بري مساء اليوم وآخر للامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله الجمعة، فيما يقع بينهما في 2 ايلول موعد بدء الاجتماعات في واشنطن من اجل اعادة اطلاق المفاوضات المباشرة بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية. ولا يمكن نزع هذا العنوان من خلفية كل المواقف التي ستصدر هذا الاسبوع وكل الامور الاخرى، من بينها ما يتصل بالمحكمة.