من جديد تبدو اللغة التي يعتمدها نواب "حزب الله" قريبة من ذلك القول الخاص بالموفد الخائن الذي ترسله الى المعدة فيصعد الى الرأس.
يقصدون التبرير فيقعون في التزوير، ويقصدون التحذير فيوقعون الجميع في دوامة التبصير، ويقصدون دقّ النفير فلا يفعل ذلك إلا دقّ الباب وفتحه على أسئلة كبيرة وخطيرة أولها وفي قمتها ما يتعلق بالأسباب الفعلية لكل ذلك التوتر الذاتي المغلّف بالتوتير العام!
والحاصل هو أننا منذ ثمان وأربعين ساعة أمام حالة غير مفهومة تماماً في أداء تنظيم سياسي عسكري يُفترض مبدئياً أن يقيس خطواته ونقلاته بدقة قصوى، وأن يكون منتبهاً أكثر من غيره الى خطورة الانكشاف أمام الآخرين، وخطورة تحويل الدعسة الناقصة الى سقطة كبرى، ثم الأهم من كل ذلك خطورة افتراض ضعف "صاحب الحق" وإن كان مدنياً وأعزل أمام سلطان القوة وسطوة الحديد والنار وثقل الآلة الحربية ورديفتها الإعلامية وكل ما فيها من مطوّلات وأسطوانات فختت آذان الناس منذ خمس سنوات لكنها لم تُخلخل ذرة واحدة في قناعاتها وإيمانها وحساباتها ومشاعرها!
يحكي نوابه وكأنهم في عالم آخر. قائم بذاته ومأسور بلغته و"تراثه"، وبكل ما بناه منذ مطلع الثمانينات من القرن الماضي الى الأمس القريب، مفترضين أن الأداء الذي نجح مع الأعداء هو ذاته يمكن أن يُسحب وينجح مع الأغيار من اللبنانيين والذين لا يملكون من عدة العداوة تلك، إلا الموقف السياسي المتمايز الذي يزداد تمايزاً يوماً بعد يوم وخطاباً تلو خطاب وتصريحاً تلو تصريح وبرجاً تلو برج وموقعة تلو أخرى..
.. بدلاً من تقديم موجبات معلومة ومفهومة للدفع باتجاه طيّ صفحة 7 أيار، تُسبغ على تلك الكارثة أوصاف جليلة وكبيرة وطنّانة، ويُسكت عن التهويل الفظ بتكرارها سبعين مرة وأكثر. وبدلاً من الانكفاء خلف موجبات التحقيق الرسمي(؟) في اشتباكات برج أبي حيدر واحترام ردة فعل أهل المدينة ومحاولة الوصول الى معادلة وسطى مثلى بين متطلبات المقاومة (إذا كانت هذه موجودة أصلاً في الأحياء السكنية للعاصمة)، وبين متطلبات عيش الناس وبداهة ذلك العيش، يُصار الى إطلاق العنان لخطاب المكابرة وما فيه من اتهامات مفترية من أولها الى آخرها.
.. بحيث أن أهل برج أبي حيدر وعائشة بكار وساقية الجنزير والبسطا الفوقا وأختها التحتا، بل أهل بيروت في الإجمال هم المسؤولون عن استئناف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية وفعلوا ما فعلوه من أجل التغطية على انطلاقتها! وقبل ذلك وبعده هم أصلاً وفي الأساس، المسؤولون عن كتابة القرار الاتهامي في جريمة 14 شباط ولذا يؤخذون جماعياً للانتظار على باب الوعد "بالتصدي للتطاول على المقاومة واستهدافها"! وهم فوق ذلك فعلوا ما فعلوا من آثام وإجرام على مدى السنوات الخمس الماضية وصار مطلوباً في عُرف النائب محمد رعد أن ينزووا في مدينة يجب "أن تكون منزوعة الأوهام ونظيفة من المتعاملين والمتآمرين"!
.. إما أن يكون خطاب المقاومة على هذه الشاكلة أو عمره ما كان.. هكذا نحارب إسرائيل وبهذه الطريقة الفذّة سننتصر عليها.. شكراً