من غرائب الصدف ان يتحول المطالب بسحب السلاح من شوارع العاصمة الى عدو للمقاومة، ومن الغرائب المماثلة ان يتحول من يطالب بسيطرة الجيش والقوى الأمنية الشرعية وحدها على الأرض الى منتقد للطرفين كما حاول بعض أغبياء السياسة والأحزاب والتنظيمات تصوير مواقف من لا يرى رأيهم، لاسيما ان الأمور سائرة الى مزيد من التعقيد والتكاذب لمجرد ان ما حصل في منطقة برج ابي حيدر قدحك على جرح الغمز من قناة حزب الله بطريقة او بأخرى، وكأن المقصود تعميم الخروج على السلطة بما في ذلك اعتبار حوادث الاخلال بالأمن عملاً طبيعياً لا يستحق الاعتراض من جانب السلطة ومن يتصرف على قاعدة الأخذ بوجهة نظر القانون وكل ما له علاقة بالسلم الأهلي؟!
رب قائل ان مصادمات برج ابي حيدر قد أعطت أكبر من حجمها الحقيقي، لمجرد ان هناك طرفاً اسمه حزب الله كانت له علاقة بالاشتباك المسلح، وهذا تفسير غير منطقي ولا رابط بينه وبين حال الانفلاش المسلح المشكو منه في أكثر من منطقة، ليس لعلاقته بالمقاومة، بل حيث لا يجوز ان تستمر الأمور في مجراها الخطأ، مقابل الاستمرار في القول ان ثمة من يتطلع الى فتنة بين السنة والشيعة من دون ان يسأل عن أسباب وموجبات توصيف الفتنة الا في حال توافرت الوسائل اللازمة لها، ان كانت سنية – شيعية او شيعية مارونية وما الى باقي التسميات المملة، بل والممجوجة!
والملاحظ ان كلاماً كبيراً صدر عن أركان الدولة شددوا فيه على استعداد السلطة للتصدي لكل ما من شأنه التأثير في مجريات السلم الأهلي، فيما يعرف من قال ما قاله انه غير قادر على ترجمة موقفه لمجرد ان الوسائل اللازمة لمكافحة أي إخلال بالأمن غير متوافرة. وهذا يكفي وحده للقول ان من يهدد باتخاذ إجراء ما لا يملك حرية القرار والتصرف (…).
كذلك، فإن من طالب ببيروت منزوعة السلاح يعرف مسبقاً انه سيتعرض للانتقاد ولأبشع من التجريح من جانب من يزعم زوراً ان "قراره وحده ساري المفعول". وقد دلت تجارب الماضي ان من الأفضل الاقلال من الكلام في حال لم تتأمن رغبة جماعية حيال معالجة موضوع بحجم منع غوغاء السلاح وديماغوجية مسلحي الشوارع من قبل من بوسعه لجم الغوغاء والديماغوجية انطلاقاً ممن يوفر للاثنين عوامل الحماية والتغطية السياسية وغير السياسية!
أمس، اجتمعت اللجنة الوزارية المختصة وبحثت في ما آلت اليه حادثة برج ابي حيدر بينما ظلت قراراتها سرية، على أمل الافصاح عنها في جلسة مجلس الوزراء المقبلة، نظرا للحاجة الى ابقائها سرية للغاية، او لتجنب خطر رفضها، وهذا وارد بحسب المقاييس السياسية والأمنية لكل من يهمه ان تبقى السلطة شاهد زور ومبعده قسراً عن مقاربة مسؤولياتها؟!
ولجهة دفاع الجيش عن تدابيره على أرض برج ابي حيدر، فقد أورد قائد الجيش العماد جان قهوجي مجموعة معلومات ليست بالضرورة واضحة لدى الرأي العام. لكن دفاعه جاء بمستوى الاعتراف بأن بعضهم قد افتقد وجود الجيش بطريقة او بأخرى من غير حاجة الى انتظار دخوله في معركة إثبات وجود طالما ان لحظات انتشاره افتقدت "رهبة المفاجأة" بمستوى ما أحدثته اشتباكات المسلحين التابعين لحزب الله وجمعية المشاريع الخيرية الاسلامية من صدمة تركت بصمات موجعة في المحلة وفي غيرها من شوارع بيروت!
حسناً فعل الأمين العام لحزب الله السيد نصر الله في اجتماعه مع رئيس جمعية المشاريع الشيخ حسام قراقيره، حتى وان كان قصد الرجلين تجنب مقولة الفتنة السنية – الشيعية. لكن ما قيل قبل لقاء نصر الله – قراقيره قارب اعتبار ما حدث بين الطرفين مقدمة لمشروع أمني بمستوى الفتنة، ربما لوجود نيات لدى البعض بالإفادة من أي خرق يمكن توظيفه لأحداث فتنة، او لتغيير القواعد السياسية الداخلية في هذا الظرف بالذات حيث من الصعب تجاهل بعض المطبات الاقليمية التي تندرج تحت عنوان لعبة السلام بما في ذلك لعبة الاستعداد لحرب أوسع من ان تقتصر سلبياتها ونتائجها على لبنان وحده؟!