مسار الحوادث الأخيرة في قلب العاصمة، والتي نأت عن خطَ المواجهة الواقعية، كتب شهادة موت المقاومة المسلَحة خارج أطار الدولة الشرعية في لبنان، أقلَه في أذهان الغالبية المتحرَرة من الشعب والتي تتعاطى مع الوقائع بموضوعية مطلقة، بعيدا عن حال الأنفعال الفوري البديهي عندما تكون السلامة نفسها هي الموضوعة تحت نصل المقصلة.
ان المتتبَع للتصريحات التي صدرت وتصدر عن المغالين في الدفاع عن المقاومة من أهلها ومن المتكوكبين حولها، يلحظ القاسم المشترك الذي لم يغب عن مضمون أي منها. وهو أتَهام الذين شجبوا الأحداث الدموية بالعمل على تحويل النظر عن فرضية ارتكاب اسرائيل جريمة اغتيال الحريري. يتضمَن هذا الأتهام جانبين مهمَين وخطيرين هما استهداف المقاومة والعمالة لأسرائيل.
أما عن استهداف المقاومة من قبل معارضيها، فالواقع يثبت أنَ المقاومة هي التي استهدفت نفسها عندما حوَرت مسارها من مواجهة العدو على الحدود الجنوبية الى مواجهة "أهلها" في الداخل. وبالرغم من مقولة ان سلاح المقاومة لن يشهر الا في وجه الصهاينة، جاء الخط البياني لعمليات المقاومة الداخلية، والتي كان آخر فصولها حوادث برج أبي حيدر، ليؤكَد سقوط هذه المقولة وعدم صدقيَتها، وبالتالي عدم القبول بالمتاجرة بها وتسويقها وكأنَها من الثوابت.
ان المقاومة ليست بحاجة الى من يشوَه صورتها، أذ انَ ممارساتها قد أدَت هذه الوظيفة من دون التوكَل على أي طرف خارج عنها. وبهذا الفعل تكون قد أطلقت على رأسها رصاصة من لحمها ودمها، وخيَبت آمال الرأي العام اللبناني والعربي والأسلامي، الذي كان يعتبرها بديلا شريفا عن الأنظمة العربية الأنهزامية بحسب أعتباره، في الدفاع عن قضية الأمَة المركزية. وخسرت، مجانا، البيئة الحاضنة لها والمستبسلة في الدفاع عنها، وأعطت بالتالي منتقديها إمكان توصيفها بالميليشيا التي تعيث ويلا ان لم نقل ترهيبا.
أما عن العمالة للعدو، فينبغي أولا تحديد مفهوم العمالة قبل اسباغه على من يراد لهم أن يتَصفوا بهذه اللوثة. ان العمالة التي ينضى لها جبين الكرامة الوطنية وهي العمالة الواعية أي التي تتم عن سابق تصور وتصميم، تعني خيانة الولاء والوفاء والأنتماء للوطن، من خلال تزويد العدو بمعلومات تساعده على ضرب بنية الدولة وتفكيك قواها. وهذا ما قام به أولئك الذين ألقت القوى الأمنية القبض عليهم في الآونة الأخيرة وزجَت بهم في السجون بانتظار أن يواجهوا أقصى العقوبات، بعد أن أثبت الدليل ضلوعهم الفعلي.
من هنا لا يمكن قبول رشق الآخرين بهذه التهمة من دون دليل، أو الدعوة الى تكفيرهم وهدر دمهم من دون حجَة قاطعة، أذ باب التجنَي واسع في هذا المجال، وهو مردود حكما. لكنَ العمالة لا تقف عند هذا الشكل فقط، فهنالك نوع آخر منها والذي يتمَ في بعض الأحيان عن غير قصد، ويقدَم للعدو خدمة مجَانية من دون أي مقابل أو جهد، وذلك حين يعمل فريق داخلي، ولأهداف لم تعد خافية على أحد، على شل الدولة والأعتداء على مكوَناتها، والتهديد المستمر بتفجير الهيكل على من فيه، ووضع المواطنين بعضهم في مواجهة بعض لفك لحمتهم. هذا الأداء من شأنه أن يقوَض أركان الدولة والوطن ويجعلهما منهكين، فيتلهَى الداخل بلملمة جراحه، ما ينعكس أرضاء لمشيئة العدو الذي يسقط من حسبانه قدرة لبنان على الوقوف في المنتديات الدولية للعمل على أدانته.
ان النتائج المترتَبة عن هذا الشكل من "العمالة" لا تقلَ خطورة عن تداعيات الأشكال الأخرى، فلو سلَمنا جدلا أنَ القصد مختلف، لكنَ المردود واحد على مستوى معادلة الخسارة والربح في ميزان الوطن والعدو على حدَ سواء.
من هنا، فإنَ الربط بين حوادث بيروت الأخيرة وبين النيَة المتوهَمة لأرهاق المقاومة هو في غير محلَه، والمقصود منه تمويه دموية الحوادث والتغطية على مسؤولية المقاومة الأكيدة في أشعال الوضع الداخلي، ما يصب ايجابا، عن قصد أو عن غير قصد، في خانة أهداف العدو المبيَتة لنا. فهل يعتبر أولو الألباب؟