"بيروت منزوعة السلاح" تعني سياسة لبنانية متحرّرة من ثنائية "العنف والسحر"
ما حدث في بيروت أنّ الطرف الذي فرض على العاصمة سيطرة أمنيّة قسريّة منذ سنتين أضاع ما كان يعتبره هو مبرّراً كافياً يسبغ على هذه السيطرة مشروعيّة ما. فعلى امتداد السنتين الماضيتين عمد الطرف المسيطِر الى الترويج لكونه الطرف المنظّم بإمتياز، وأنّ الشكل المركزيّ المطلق لتنظيمه لا يسمح لا لهفوة ولا لإنفعال، الأمر الذي يعوّض بشكل أو بآخر عن غربته الفئوية. وسواء في ذلك تمّ قياس هذه الغربة الفئوية على السمة الأهلية الغالبة تاريخياً على العاصمة، أو على السمة التعددّية الثقافية التي جعلت من بيروت رئة للحريّة في هذا الشرق منذ عهد "التنظيمات" الإصلاحية العثمانية وإلى اليوم.
فالطرف الذي كان يمنّي النفس والآخرين بأنّ سيطرته "منظّمة" وإن كانت "دخيلة" ظهر في الإشتباكات الأخيرة على قدر كبير من العشوائية في التصرّف، ولم ينفع السلاح الحربيّ في مداراة هذه العشوائية في الإنجرار وراء ردّ الفعل، بل على العكس تماماً، ساهمت كثافة القصف ونوعيّته ورمزيّته الحسّاسة في رفع منسوب العشوائية، ثم أتى التوتّر البالغ في التصريحات ليزيدها أيضاً وأيضاً. وكلّ ذلك يطرح السؤال: هل تجد هذه العشوائية البالغة مبرّراً تقنع به نفسها وجمهورها قبل الآخرين؟ فبخلاف المقاربة المتسرّعة المفتونة بالعنف كيفما كان وكيفما حلّ، لا بدّ لأي سيطرة قائمة على العنف من أن تجد مبرّراً تقنع به نفسها وجمهورها وتؤطّر من خلاله فرض إرادتها على الآخرين، وهذا ما بات غائباً اليوم. ولا يغيب عن أحد أن ربط إستمرار السلاح الدخيل العشوائيّ بنظريّة التحسّب الإستباقيّ لـ"انزال إسرائيليّ في محلة النويري" إنما هي نظرية عاجزة عن إقناع مسلّح واحد!
ولو كانت العشوائية محصورة بإشتباك برج أبي حيدر وما بعده لهان الأمر. إنّما المشكلة أنّ العشوائية سمة لاصقة بالتوتّر المتعاظم من قبل منظومة العنف الخارجة عن إطار الدولة، منذ الإصطدام بقوّات "اليونيفيل" جنوباً وإلى اليوم، مروراً بكل مشهديات "حرب الإستنزاف" مع المحكمة الدولية.
ثمة طرف ما زال ينظر إلى كل ما حوله على قاعدة أنّ العالم مسحور، وأنّ مؤامرة منهجيّة تحاك له. لكن هذا الطرف الذي بالغ في الآونة الأخيرة في تأكيد قدرته السحريّة على التأثير في أحداث العالم وفي إحباط المؤامرة الكونية ضدّه بات أمام أزمة داخلية وسلوكية حقيقية، يمكن وصفها بأنّها "أزمة إمتناع السحر".
في سياقات بعينها يمكن أن تكون "أزمة إمتناع السحر" مقدّمة لهجر النظرة السحريّة إلى العالم، ولتجاوز نظرية المؤامرة الأحادية والدائمة التي يقال لنا في كل يوم إنّه "جرى إحباطها" وإنّه يجري في الوقت نفسه "إعدادها" وإنّها "قاب قوسين" أو "موشكة" أو "داهمة"، بكل ما يقتضيه ذلك من "تعبئة دائمة" ومن "توتّر دائم" ومن "كراهية دائمة".
لكن في سياقات أخرى يمكن أن يحدث العكس، بأن يصر الطرف الذي باتت ثقته بسحره موضع إهتزاز، وثقته بأن العالم مسحور، موضع تشبّث أكثر من الأوّل، على الهروب إلى الأمام، وعلى أساس معادلة أنّه إن كان فائض القوّة لا يسمح بإحلال نظام من الهيمنة الشاملة فإنّه على الأقل سيسمح بإحلال نظام من الفوضى الشاملة. بمعنى آخر، وبالإستناد إلى إستعارة ثنائية لطالما أنكبت عليها الفلسفة السياسية الحديثة، فإنّ الطرف المسيطر الذي يفشل في فرض "الخضوع المطلق" لسطوته، أي في فرض نموذج "الليفياثان" (والليفياثان تنين بحريّ أسطوريّ توراتيّ جعله القديس أغسطينوس ثم الفيلسوف توماس هوبس رمزاً للإستبداد المطلق) إنّما ينكفئ إلى فرض نموذج "البهيموت" (وهي في المدلول الرمزي عينه تلك القوة التي لا يمكن للإنسان السيطرة عليها). في ثنائية الفيلسوف هوبس: الليفياثان نظام مستبد، والبهيموت فوضى مستبدّة. الليفياثان قمع منهجيّ. البهيموت عنف عشوائيّ. وما يحصل منذ أشهر عديدة هو أنّ المشروع الفئويّ الهيمنيّ الأخير في لبنان لم يعد يفكّر في إقامة "نظام" على صورته ومثاله وإنّما نموذج من التحكّم العشوائيّ المتوتّر بالواقع اللبنانيّ.
وبإزاء هذه النقلة النوعيّة والرمزيّة في أهداف هذا المشروع تبرز الحاجة إلى تحذير أساسي خطّه سيغموند فرويد ذات يوم، ومفاده أنّ "العطب الرئيسيّ في السياسة هو في عجزها عن إدراك القدرات الإفتراضية للتدمير الكامنة في الإنسان". هذا يلخّص جزءاً أساسياً من مشكلة لبنان اليوم: ثمّة عجز أساسي لجهة إدراك القدرات التدميريّة في معسكر المفتونين بالعنف. ففي ظلّ واقع سياسيّ ما زال خاضعاً لثنائية "السحر والعنف" لا يمكن الإتكال فقط على إحتساب الأمور بمقاييس الربح والخسارة. أمّا الدعوة إلى جعل بيروت منزوعة من السلاح ففي مكانها، كونها توطئة أو مقدمة أو إختصاراً للدعوة إلى جعل السياسة اللبنانية متفلّتة من السحر والسحرة، خصوصاً عندما يختلط السحر والسحرة مع العنف وأصنافه.