لعل أكثر ما أزعج "حزب الله" هو إعادة موضوع سلاحه موضوعا خلافيا رئيسا بين اللبنانيين، وهو أساسا كذلك. غير أن المرحلة التي أعقبت الانتخابات النيابية والتفاهم السوري – السعودي أعادت خلط الأولويات، ومكنت الحزب من فبركة مروحة واسعة من الملفات الخلافية لإرباك قوى "14 آذار" ووضعها في موقع الدفاع عن النفس باستمرار، علما أن رفض هذه القوى التسليم بالازدواجية القائمة بين الدولة والدويلة كان وراء منحها تفويض شرائح واسعة من الرأي العام اللبناني، الأمر الذي أعطاها القدرة على تحقيق الانتصارات الانتخابية النيابية والبلدية والنقابية، وهذه الانتصارات بالذات هي التي فرضت التوازن القائم منذ العام 2005 بين منطقي المؤسسات والأمر الواقع.
ولعل العبرة الأساس من المواجهة المتواصلة منذ العام 2005 هي أن مصدر قوة "14 آذار" عائد إلى خياراتها وتمسكها بثوابتها وخطابها وأدبياتها. فالتفاف الرأي العام حولها ما قبل الانتخابات النيابية هو غير ما بعده، وهذا لا يعني أن الرأي العام بدل في خياراته وقناعاته، إنما لكونه لا يريد بكل بساطة أن يكون "ملكا أكثر من الملك" في زمن التسويات و"المصالحات"، ولكنه حافظ في المقابل على تأييده لا بل زاد من تقديره للدكتور سمير جعجع نتيجة ثباته على مواقفه، مع تفهمه بشكل أو آخر لدور رئيس الحكومة والظروف الإقليمية وتأثيراتها التي لا يمكن للبنان أن يكون بمنأى عنها.
ولعل العبرة الأخرى التي لا تقل أهمية عما سبقها هي أن الظروف التي أملت على الرئيس سعد الحريري التجاوب بحذر مع المساعي الإقليمية الهادفة إلى تبريد النزاع بين اللبنانيين وتحييد الساحة اللبنانية ما أمكن بانتظار ما ستؤول إليه المفاوضات في ملفي السلام والنووي الإيراني، لم تدفعه إلى التخلي عن حلفائه ولا سيما الدكتور جعجع على رغم المطالبة الصريحة والواضحة بفك التحالف مع "القوات"، وبالتالي استمر التقاطع والتفاعل والتنسيق بين مكونات "14 آذار" تقطيعا لهذه المرحلة وحفاظا على ما تحقق من انجازات.
وعليه، وفي حال عادت الظروف نفسها وحتمت على "المستقبل" فرملة الحملة على السلاح تحت شعار "بيروت منزوعة السلاح"، وهي ظروف أكبر من لبنان، لا يفترض إيقاف هذه الحملة لا من قريب ولا من بعيد، إنما الاستمرار فيها وفق عملية توزيع للأدوار اعتادت قوى "14 آذار" عليها، لأن الأساس هو استمرار المواجهة وإبقاء بند السلاح بندا رئيسا على الأجندة اللبنانية والعربية والدولية، في معزل عن الطرف الذي يبقي هذا الشعار مرفوعا، علما أن لا أحد كان يتوهم إمكانية ترجمته على أرض الواقع، باعتبار أن التوازنات الخارجية والداخلية ما زالت نفسها، ولكن المطلوب كان وما زال إرباك الحزب أولا وتضييق وتصعيب احتمالات استخدامه لسلاحه ثانيا، وإبقاء الرأي العام اللبناني مستنهضا في مواجهة السلاح أخيرا.
تأسيسا على ما تقدم، لا يفترض الانزلاق إلى أي مواجهة قد يدفعنا ويجرنا إليها فريق "8 آذار" عن تصور وتصميم سابقين سحبا لموضوع السلاح من التداول السياسي والإعلامي، وأول الغيث كان مع الرئيس نبيه بري الذي أعاد تجديد دعوته للمرة العاشرة بعد الألف من أجل تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، هذه المسألة وغيرها التي يُعمل على رفع الغبار عنها لإثارة الغبار على مواضيع أخرى في مواجهة "14 آذار"، خصوصا أن حوادث برج أبي حيدر أعادت من حيث لا ندري الأولوية لمسألة السلاح، هذه الأولوية التي تشكل أساس الصراع في لبنان ولب المشكلة التي تحول دون "العبور إلى الدولة"، مما يقتضي جعلها باستمرار على رأس الأولويات الوطنية، ومواصلة معركة "بيروت منزوعة السلاح" حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا…
