#adsense

دور الجيش يطرح على بساط البحث ويثير السجالات

حجم الخط

كلّما واجه لبنان أزمات سياسية حادة واضطرابات أمنية خطيرة
دور الجيش يطرح على بساط البحث ويثير السجالات

ليست هذه المرة الاولى التي يثار فيها دور الجيش كلما واجهت البلاد ازمات سياسية حادة او اضطرابات امنية، اذ ان كل طرف يريد ان يتدخل الجيش ضد الطرف الآخر او يكون منحازا، او يريده ان يبقى على الحياد لئلا يقال انه يتدخل في السياسة او ان السياسة تتدخل فيه.

وقصة دور الجيش بدأت في اواخر عهد الشيخ بشارة الخوري عندما قامت "ثورة بيضاء" لإطاحة حكمه، حينها استدعى قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب وطلب منه التدخل لمواجهة تلك الثورة، فرد شهاب بأن الجيش لا يتدخل عندما تكون فئة من الشعب تواجه فئة اخرى، اذ على من يطلق الجيش النار، خصوصا انه عندما يطلب منه التدخل فقد يضطر الى اطلاق النار، وهذا ما يميزه عن تدخل قوى الامن الداخلي، وهو ما كان يجعل المتقاتلين يفرون من وجهه.
لذلك كان رد الرئيس بشارة الخوري على موقف اللواء شهاب بتقديم استقالته ووضع حكم البلاد في عهدة الجيش.

وعندما وقعت احداث 1958 في عهد الرئيس كميل شمعون وتواجه الموالون والمعارضون بالسلاح، امتنع الجيش بقيادة اللواء شهاب عن التدخل واكتفى بتأمين حماية المؤسسات الرسمية فقط والدفاع عنها ضد اي اعتداء بحيث انه اضطر الى استخدام الطيران الحربي لمنع مجموعة مسلحة من احتلال المطار وكان لا يزال في منطقة بئر حسن، واضطر الرئيس شمعون من جهته الى الاستعانة بقوى الدرك التي كانت بقيادة سيمون زوين، لحفظ امنه.

ومنذ ان دخلت عناصر فلسطينية مسلحة الى منطقة العرقوب في لبنان اخذت الدولة ومؤسساتها تفقد قوتها وقدرتها على المواجهة والسيطرة، وذلك بسبب انقسام اللبنانيين بين مؤيد للتنظيمات الفلسطينية المسلحة بدعوى انها تريد تحرير فلسطين وإن من لبنان، ورافض لذلك، وقد ادى هذا الانقسام الى انهيار المؤسسات الرسمية وتوزعها بين الميليشيات، وساد حكم الدويلات مكان الدولة، وانقسمت على نفسها المؤسسات الامنية والعسكرية والادارية وسادت شريعة الغاب. ولم ينفع "اتفاق القاهرة" في الحفاظ على البقية الباقية من السيادة والسلطة. واستمر هذا الوضع الشاذ الى ان تم التوصل الى "اتفاق الطائف" الذي طبق منه ما يرضي فئة ولم يطبق منه ما يرضي فئة اخرى، ولم ينفذ البند المهم المتعلق بحل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم اسلحتها الى الدولة تنفيذا دقيقا كاملا. لكن الوصاية السورية على لبنان عوضت هذا النقص في التنفيذ بأن جعلت الدولة اللبنانية تحكم بسلطة تلك الوصاية وهيبتها بدليل انه عندما اتفق الرؤساء الهراوي وبري والحريري على ارسال قوة من الجيش الى الجنوب ليؤازر القوة الدولية في مهمتها وتوطد الامن والهدوء في المنطقة وبعد موافقة الامم المتحدة، رفضت الوصاية السورية ذلك بداعي ان وجود هذه القوة يحد من نشاط "المقاومة الاسلامية" في المنطقة ويضع الجيش بين نارين: نار المقاومة ونار اسرائيل… عدا عن طرح مقولة ان وجود الجيش على الحدود معناه حماية حدود اسرائيل… وكأن المطلوب ابقاء منطقة الجنوب ساحة مفتوحة للفعل ورد الفعل وهو ما حصل.

وعندما صدر القرار 1559 وفيه دعوة الى انسحاب القوات السورية من لبنان ونزع سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، ظل هذا القرار من دون تنفيذ الى ان وقعت جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، فكانت "انتفاضة الاستقلال" و"ثورة الارز"، واكتفى الجيش في حينه بالقيام بدور قوة الفصل بين المحتشدين في ساحة البرج وهم يطالبون بانسحاب القوات السورية من لبنان والمحتشدين في ساحة رياض الصلح والمطالبين ببقاء هذه القوات، ولم يتدخل الجيش حتى في تحديد الطرق التي يمر منها الآتون الى المهرجانين (8 آذار و14 آذار) ولا الى ضريح الشهيد الحريري، بل ترك لهم اختيار هذه الطرق على ان يحمي الجيش الطرفين ويشكل بينهما جدارا بشريا عازلا. وقد تبين ان الذين اخذوا على الجيش مداراته لطرفي المعارضة والموالاة، عند كل مواجهة، عادوا واكتشفوا ان الجيش على حق وانه اختار الاسلوب الصحيح لحماية البلاد من الفتنة، وان الحكمة احيانا تكون اهم من السلاح.

وعندما انتقد البعض الجيش لعدم تدخله لقمع الحوادث الامنية واكتفائه بدور قوة الفصل بين المتقاتلين وكان العماد ميشال سليمان لا يزال قائدا له وفي الوقت عينه مرشحا لرئاسة الجمهورية، قال للزميل سمير عطاالله: "القرار في السياسة يمكن العودة عنه، لكن الامر في اللغة العسكرية لا يستعاد الا بعد فوات الاوان. لقد انفجر الوضع فجأة امامنا في كل مكان (حوادث 7 ايار) من بيروت الى الشمال الى الشوف ودائما في قلب المدن، وبدا لنا فورا ان صورة الحرب الاهلية قد تتكرر والجيش في نهاية الامر مشكّل من بشر ومن لبنانيين ولا أريد للوباء السياسي ان ينخره.

فمنذ ثلاث سنوات لا عمل لنا ولا هم سوى تحصين لحمة الجيش. وفي النظام اللبناني لا تستطيع الاعتراض على القرار السياسي، لكن هناك حدودا لما يستطيع الجيش استيعابه من نتائج الصراعات السياسية التي لا تهدأ ولا تستكين. اما ماذا يفعل السياسيون؟ فإن كل ما يفعلونه هو الدعوة الى معاقبة العسكريين عندما يقومون بواجباتهم، وماذا ستكون ردة فعل المؤسسة عندما ترى ضباطها في السجون بتهمة استخدام القوة في وقف الشغب؟"

وفي حوادث برج ابي حيدر تجدد الكلام على دور الجيش والقول إنه كان مقصرا او متلكئا في التدخل لوقفها، مما استوجب ردا من قائد الجيش العماد جان قهوجي قال فيه: "إن الجيش لم يقصر ابدا في معالجة احداث منطقة برج ابي حيدر، بل قام بواجباته وتدخل منذ الدقائق الاولى للاشتباك، وقد تمكن الجيش من فصل منطقة برج ابي حيدر عن محيطها لمنع تدفق المسلحين ومن اجل حصر بقعة التوتر، وهو الذي اوقف الاشتباكات فعليا لا الاجتماعات او المشاورات السياسية التي كانت تجري بشكل مواز بهدف تهدئة النفوس وضبط العناصر على الارض".

وشدد الرئيس سليمان من جهته على انه "لا يمكن الدولة ان تسمح لمثل الاحداث التي حصلت في شوارع العاصمة بأن تتكرر في اية بقعة من بقاع لبنان"، مؤكدا ان القوى الامنية ستقوم بدورها بمؤازرة الجيش لمواجهة اعمال العنف وفرض الامن بصورة مشددة وصارمة واحالة المرتكبين على المحاكم". وقال الرئيس الحريري انه "لم يعد مقبولا ان تلعب الدولة دور المتفرج على انتشار السلاح".

الا ان الواقع يقول: "على قدر اهل العزم تأتي العزائم"، فالقوات المسلحة لا تستطيع ان تكون حاسمة وحازمة عندما تواجه لبنانيين منقسمين وهم يتحاربون، لانها تحار في هذه الحال على من تطلق النار ولا تكون منحازة. فقوة هذه القوات هي من وحدة اللبنانيين والتفافهم حولها، وهذا ما جعل هذه القوات تبلي البلاء الحسن في معارك نهر البارد وتضحي بالكثير في سبيل الكرامة والسيادة، وان تواجه بعزم وحزم الجيش الاسرائيلي في بلدة عديسة. اما عندما يكون اللبنانيون منقسمين على انفسهم ويتقاتلون فمهمة القوات المسلحة تصبح صعبة جدا ومعقدة. فعلى اللبنانيين ان يأخذوا في الاعتبار ان قوة هذه القوات هي في وحدتهم، وضعفهم في انقسامهم فعندما يكونون واحدا يكون الجيش وقوات الدولة واحدا.

المصدر:
النهار

خبر عاجل