#adsense

السلاح والاستقرار الهشّ وغياب المسؤولية

حجم الخط

رسائل "الحادث الفردي" في برج أبي حيدر
السلاح والاستقرار الهشّ وغياب المسؤولية

أثارت الاشتباكات التي حصلت في بيروت مساء الثلاثاء 24 آب الماضي بين عناصر من "حزب الله" وآخرين من "جمعية المشاريع الاسلامية"، الكثير من التعليقات السياسية، وبدل أن تكون البروفة العسكرية في شوارع العاصمة موضع مراجعة ونقد وتقويم، جرّد "حزب الله" حملة سياسية على رئيس الحكومة سعد الحريري لأنه تفقد مناطق الاشتباكات والمسجد الذي أحرقه المهاجمون، ولشجبه الإقتتال الداخلي ومطالبته باستئصال السلاح المتفشي في الأحياء والمناطق الآمنة، مع أن كذلك من واجبه كرئيس للسلطة التنفيذية، وكنائب عن العاصمة، فضلاً عن موقعه الوطني وزعامته على المستوى السني.

والواقع أن ما جرى ويجري لا يشير إلى هشاشة الاستقرار وتكاثر السلاح وعدم الاحساس بالمسؤولية فحسب، بل يعكس، إلى العناوين الثلاثة المذكورة، أزمات عميقة تعيشها الدولة والنظام في لبنان، ويؤكد أن محاولة تجاهلها أو الهروب منها لن تغني عن مواجهتها عاجلاً أو آجلاً.

فما حصل هو أن "الحادث الفردي" تطور الى اشتباكات حادة بين عناصر "الحزب" و"الجمعية"، أوقعت قتلى وجرحى وشلّت العاصمة وأثارت الذعر بما عكس حجم الاحتقان المذهبي القائم وأكد ان اندلاع الفتنة لا يحتاج الى اكثر من .. "إشكال والتباس وخطأ بين حليفين" بحسب نواب الحزب، من جهة. ومن جهة ثانية، أثبت أن انجراف الحزب في اتجاه عملية عسكرية، وإن ضد حليف له، ورّط سلاحه مجدداً في الداخل وأعاد إحياء جراح السابع من أيار المشؤومة.

إلى ذلك فإن خطورة ما جرى، إلى كونه طرح أسئلة مقلقة على المستوى الوطني العام، هو سعي بعض أطرافه إلى استيلاد أزمة حكومية لمجرد أن فعاليات العاصمة وأهلها وشرائحها المدنية أعلت الصوت مجدداً مطالبة بجعل المدينة منزوعة السلاح.

على مستوى ثانٍ، ثمة من يربط بين ردة فعل الحزب خلال الاشباكات وبين المعركة الكبيرة التي تخاض في موضوع المحكمة الدولية بهدف إيصال رسالة لمن يهمه الأمر بمدى هشاشة الوضع الداخلي واحتمال إنزلاقه الى التصعيد فالصدام لحظة يشاء. وما يزيد من واقعية هذا الاعتبار هو التحضيرات السياسية والنفسية والمادية التي تحصل منذ أشهر على اكثر من مستوى تحسباً لتطورات درامية يمكن ان تقع في أعقاب صدور القرار الاتهامي للمحكمة الدولية، وتأتي في هذا الاطار التسريبات والاشاعات التي تحدثت عن تغيير حكومي على خلفية أن الرئيس الحريري في صدد الانسحاب من الواجهة لافساح المجال امام حكومة أخرى تتخذ قرارات بهدف التراجع عن المحكمة أو تفريغ أي قرار تصدره من محتواه التنفيذي.

وعلى مستوى ثالث، تعيش البلاد منذ نحو شهرين على وقع حرائق متنقلة يقوم بها محتجون وغاضبون على انقطاع التيار الكهربائي في أنحاء من لبنان، فيما يتبارى المسؤولون في تقاذف تُهم الإهمال أو التجاهل، والموازنة بين كل ذلك محتجزة منذ ما يزيد على أربعة أشهر في دوامة النقاشات التي لا تنتهي. وهذا كله في ظلّ حكومة وحدة وطنية، فكيف لو كانت الحكومة القائمة حكومة إنقسام وطني؟!

في لبنان، لا شيء يجري من دون سقف معين وخطوات مدروسة بدقة، سواء أكان تحركات أم احتجاجات أم مواقف، والحاصل أن الوضع الداخلي على أكثر من مستوى سيء جداً، في السياسة أو في الخدمات، فضلاً عن عراقيل هائلة تحول دون تفعيل عمل المؤسسات الدستورية، بما ينعكس تعطيلاً وضرراً على حياة الناس ومصالحهم الأساسية، لكنه في الوقت عينه يظهر الحاجة إلى الدولة، ليس من أجل الأمن والاستقرار وضبط الشارع فحسب، بل لأجل تسيير المصالح وتسهيل الحياة وتأمين عيش المواطنين وصون المرافق العامة، وقبل كل ذلك وبعده من أجل حفظ صورة لبنان أمام العالم للقول بأن ثمة "دولة" يمكن أن يعتمد عليها المواطنون الذين تنشغل أحزابهم بمصالح فئوية وفي التنظير للاستراتيجيات الكونية الكبرى حصراً.
وإلا فماذا يعني أن يكرر الرئيس الحريري منذ الأحداث المؤلمة أن "الأمن لا هوية طائفية أو مذهبية له"، ويؤكد أن "السلامة لن تتحقق بالتهديد والوعيد وتأليب النفوس، إنما بالحكمة والتعقل والكلمة الطيبة"، ويوضح أن "التهويل بالفتنة لن يجدي نفعاً، وأن القانون فوق الجميع والدولة هي المسؤولة دون سواها عن إدارة الشأن العام"؟

إن ما جرى يتطلب هدوءاً وصدقاً في مقاربته، إذ ما عاد يجدي الإصرار على تخيير اللبنانيين جميعا بين الهيمنة أو السلاح، بين الرضوخ أو الاتهام، بين الشارع أو الشارع. فالشارعُ في الحالتين حربٌ على الاستقرار وعلى المصالح وعلى الشراكة الوطنية والعيش الواحد وعلى التفكير في المستقبل.

ان الذين يقولون ان ثُنائية التنظيم المسلَّح/الدولة، لا تصحّ ولا تَستقيم، تحت أي مسمّى، صدقوا القول. وهذه المقولةُ بعد "الثلاثاء الأسود"، ومن قبله أحداث أيار 2008 غير المظفرة أقوم وأصلحُ منها قبل ذلك. ولن يفيد في شيء الإرعاب والضغط والاتهام والتهويل والأدبيات المقللة من شأن ما جرى، لأن الخِيار الآخر أن نهلك جميعاً كما نحن معوّقون ومأزومون ومجروحون جميعاً الآن.

إن الخير، كل الخير، في التواضع والانتماء والاستقلال. وليس من الخير في شيء أن نكون ساحة أو رأس حربة لأحد، لأن اللبنانيين في غالبيتهم يريدون الوطنَ والدولةَ والحياةَ الحرةَ والكريمة والعيش الواحد، وهم جميعاً أصحاب المصلحة في أن يتجه الجميع إلى المشاركة بفاعلية في إقامة وتطوير الدولة القوية والقادرة على بسط سلطتها وتوفير متطلبات الأمن والسلامة للمواطنين. أما الشارع المسلح والخطاب الموتور فهما لإضاعة المكتسبات والوطن، وكل هذه الأمور تعني أن لا غنى عن الدولة في الأمن كما في عيش المواطنين.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل