لقد قدَم العاملون في الشأن السياسي مطالعاتهم بشأن حوادث بيروت الأخيرة، فمنهم من وصَفها موضوعيا، ومنهم من حاول تغطيتها باتهام الذين انتقدوها. وبعد تصفَح ما أدلى به جماعة "المقاومة" في الموضوع المذكور، لا يسعنا سوى ايداعهم بضع ملاحظات تلقي الضوء، علَهم يتفادون في الآتي من الأيام أخطاء مميتة.
أولاً: قال أحد مسؤولي "المقاومة": "بيروت هي مدينتنا…"، وهي بالفعل كذلك، فالمقاومون لبنانيو الهوية وبالتالي عاصمتهم هي حق لهم كما لغيرهم ايضا. لكنَ "احتكارية" بيروت لا يمكن أن تمرَ، والتحكَم بأمنها وسلامة أهلها لا يمكن أن يكون رهينة في يد شريحة توظَف ما تمتلك من أسلحة لفرض أرادتها على العاصمة، وتشويه وجهها الحضاري. أما أذا كان المقصود بمدينة "نا" الملكية الخاصة وحرية التصرَف بها، فهذا يفضح أهداف المقاومة التي تريد أن تطبق على بيروت بحراك انقلابي، وبالتالي تدحض بأدائها ما جاء على لسان مسؤوليها من أنَ توجَههم هو صوب العدو فقط، أي في الجنوب. وأذا كانت بيروت هي "مدينتهم" فالأجدى أن يحافظوا عليها ولا يعيثوا فيها خرابا ويلوثوا صورتها بالدم.
ثانياً: قال رئيس كتلة الوفاء للمقاومة إن أحداث العاصمة كانت من صنع مؤيَدي القرار 1559 وتخدم أهدافهم بالتعرَض للمقاومة. لكنَ الحاج محمد رعد سها عن باله، وهو يدلي بدلوه، أنَ "حليفه" الوفي الجنرال عون كان مع اولئك الذين حرَضوا المجتمع الدولي على استصدار هذا القرار. ولطالما تباهى الجنرال بهذا الأنجاز التاريخي غير المسبوق، معتبرا أنه بمثوله أمام المرجعية الدولية وادلائه بمعلومات يملكها، سينقذ لبنان من بوَابة الشرعية الدولية. واذا كان الأمر على هذا النحو، فذلك يعني وبوضوح أن الجنرال هو في عداد الذين يشملهم اتهام الحاج رعد. فهل من قيمة بعد لوثيقة التفاهم ومفاعيلها؟
ثالثاً: بعد اغتيال مسؤول حزب الله في برج ابي حيدر، سارع شباب "الحزب" الى اطفاء اجهزتهم الهاتفية كي يقطعوا كل اتصال يمكن أن يتمَ بين القيادة وبينهم وذلك بهدف التحرَك بحريَة والقيام بردَ فعل مؤات بعيدا عن ارادة القيادة وأوامرها بضبط النفس والعمل على التهدئة، والذي حصل بالفعل أنَ المواجهة المسلَحة استمرَت لساعات وخلَفت قتلى وجرحى وتدميرا ورعبا. وأظهرت، وهذا أبغض الأمور لدى قيادة المقاومة، أنَ العناصر الذين تحرَكوا على الأرض كانوا من غير المنضبطين. وكان السيَد الأمين العام قد أكَد جازما في احدى أطلالاته أن لا وجود لعناصر غير منضبطة في "حزب الله"، في معرض ردَه على معلومات وصلته من أجهزة المخابرات تنبَه من حصول اختراق في الحزب بواسطة بعض المسؤولين فيه. فهل أنَ تسريب خبر من هذا النوع، قصد به أركان القيادة التغطية على تورَطهم بأحداث الشغب والقتل وألقاء التبعة على المنفعلين المبرَر فعلهم وانفعالهم، أم أنَها الحقيقة التي يجب أن يواجهها الحزب المنظَم والذي لا تسقط شعرة من رأس أي عنصر عنده ألا بعلم قيادته؟
رابعاً: أشار البعض الى استمرار الألتزام بمنطوق اتفاق الدوحة الذي وضع حدا لأعتداءات السابع من أيار. أوليس ما جرى في بيروت يعتبر خرقا فاضحا للأتفاق، وتجاوزا لبنوده؟ أم هو رسالة مفتوحة للداخل بأن الحزب يستطيع، ساعة يرى ذلك مناسبا له، أن يفجَر بيروت بـ 7 أيار آخر وأشدَ فتكا، أذا جرت الرياح بعكس ما يشتهي؟ لربما فات الحزب حقيقة مفهوم الألتزام، وهو ما يوجبه الواحد على نفسه، من موقف ثابت وصريح لا يحيد عنه، أي من دون انفكاك، يتبنَاه ويتعهَد التقيَد به بثبات و من دون أخلال. فهل ما حصل في بيروت، تنسحب عليه مواصفات الألتزام المشار اليها؟
خامساً: لقد علم من مصادر مطَلعة أن المسؤول الذي قضى في أحداث برج أبي حيدر، كان في عداد العناصر التي تمَ استجوابهم من جانب المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الحريري. فهل كانت الصدفة البحتة هي التي أودت بحياة هذا المسؤول؟ على قيادة "حزب الله" ألا تهمل الفرضية المناقضة للصدفة،(وهذا من باب التحليل وليس المعلومات)، خصوصا وأنها اليوم في موقف الرافض لاي اتهام يساق اليها على مستوى ضلوعها في ارتكاب فعل الأغتيال. مع العلم أنَ المتَهم بريء الى أن تثبت أدانته.
اننا نضع هذه الملاحظات بتصرَف القيادة "المقاومة" لكي تعيد النظر بأدائها الذي جعل الكثيرين ممَن كانوا الى جانبها ينفرون ويكفرون بها، وحوَل الرافضين ايَاها في الأساس الى مبغضين محقَين يناصبونها العداء لأنها ذكَرتهم بشريعة الغاب.