#adsense

في ذكرى تغييب الإمام السيد موسى الصدر: شهادة من بلاد البترون

حجم الخط

أكتب شهادة من بلاد البترون بالإمام المغيب السيد موسى الصدر، الذي زارها منذ نحو أربعة عقود وترك لدى أهلها الموارنة أطيب أثر. وأنا أقف اليوم على الضفة المقابلة لتلك التي يقف عليها تلاميذه ومحازبوه.

يوم غيب الإمام الصدر كنت ولداً صغيراً، ولاحقاً تعرفت إلى فكره من خلال الكثير مما كتب عنه، ومن بين ما كتب إستوقفتني قصة "بائع البوظة المسيحي في صور".

تقول القصة: إنه يوم كان الإمام ما يزال في صور، أخبره أحدهم أن أبناء مدينته الشيعة يقاطعون متجراً يبيع البوظة لأن صاحبه مسيحي، فما كان منه إلا أن توجه بعد صلاة الجمعة سيراً على قدميه إلى متجر المسيحي وطلب صحن بوظة وجلس يتناوله أمام المتجر ليشاهده الجميع، ومن وقتها توقفت مقاطعة أبناء صور.

منذ فترة أخبرني أحد وجهاء منطقة البترون عن لقاء جرى مع الإمام الصدر في المنطقة. وهذا اللقاء غير معروف لدى شريحة واسعة من المواطنين. ولاحقاً استفسرت عن تفاصيله لدى قلة قليلة من الذين شاركوا فيه وما زالوا على قيد الحياة، فأخبروني القصة الآتية:
مطلع سبعينيات القرن المنصرم، تلقى العديد من كهنة ومخاتير ورؤساء بلديات ووجهاء منطقة البترون دعوة من الشيخ محمد حماده للمشاركة في حفل غداء يقيمه في قريته داعل، الواقعة في وسط منطقة البترون، على شرف شخص كان البعض يسمع باسمه للمرة الأولى.
الإمام السيد موسى الصدر سيزور القرى الشيعية في منطقة البترون (داعل ودير بلا ورشكيدا) ويرغب بلقاء وجهاء المنطقة المسيحيين.

أعلم بعض المدعويين مرجعياتهم السياسية، فشجعوهم على المشاركة. وفي الموعد المحدد، أبكر معظمهم بالتوجه إلى داعل للمشاركة في إستقبال الضيف، حسب ما تقتضي الأصول.

ما زال أحد المشاركين في الإستقبال يتذكر معظم التفاصيل، فأخبرني أن ثلاثة أمور إستوقفته لدى وصول الإمام الصدر إلى داعل وهي:
1- لدى وصوله، وقبل أن يسلم على مستقبليه، دخل إلى حسينية البلدة مع أبناء داعل لدقائق معدودة، حتماً لإداء فريضة صلاة. خرج بعدها ليسلم على الجميع مكثراً من عبارات الإعتذار لأنه جعلهم ينتظرون.
2- تواضعه: لقد وصل على متن سيارة من نوع مرسيدس عادية جداً يركبها أي مواطن، وكان يجلس إلى جانب السائق، وما أن شاهد مستقبليه حتى رفع يده محيياً، ولحظة توقف السيارة تقدم الشيخ حماده وآخرون يحاولون أن يفتحوا له الباب، لكنه كان أسرع منهم ففتحه بنفسه ونزل من السيارة.
3- تعلق أبناء الطائفة الشيعية بشخصه: لقد اندفعوا جميعهم باتجاهه يحاولون أن يلمسوه ويحييوه، ونساؤهم تزغرد له، وأكثريتهم الساحقة لم يكونوا عرفوه من قبل، فيما كان يرد التحية بهدوء ويوزع الابتسامات على الجميع.

بعد السلام جلس الجميع من حوله، وراح يشكر الضيوف الذين تكبدوا مشقة المجيء إلى داعل رغم إنشغالاتهم، وكان معظم كلامه يدور حول التعايش الاسلامي – المسيحي ووجوب المحافظة على هذا الوطن الذي هو نعمة، ورفع الحرمان والفقر عن الناس. لقد سحر الجميع بنظراته وابتساماته وكلامه الهادئ الرصين.

من ثم انتقل الضيوف لتناول الغداء، ولفت نظر معظم المشاركين أن الطاولات وضعت منفصلة عن بعضها، ولاحقاً علم أنه خلال التحضير للغداء، أبلغ الشيخ حماده الإمام أن أبناء منطقة البترون الموارنة، غالباً ما يشربون الكحول خلال تناولهم الطعام، خاصة نهار الأحد. فما كان من الإمام إلا أن طلب توزيع الطاولات بشكل منفصل واقتصار عدم وضع الكحول على الطاولة التي يجلس عليها. ومما قاله: "المهم راحة المدعوين".

خلال الغداء، جال الإمام والشيخ حماده على الطاولات، ولدى وصولهم إلى الطاولة التي تضم رئيس بلدية دوما، وقف الجميع يسلّمون. فسمعوا الشيخ حماده يقول للإمام: "داعل هي بحجم حي من أحياء دوما"، فربّت الإمام على كتف رئيس البلدية قائلاً: "انتوا وأولاد داعل أهل، ديروا بالكم على بعض".

انتهى اللقاء، وغادر الإمام الصدر منطقة البترون تاركاً رصيداً رائعاً لدى المشاركين في مأدبة الغداء، الذين بقوا جميعهم يتحدثون عنه لوقت غير قصير.

أخبرني مشارك في هذا اللقاء أنه التقى بعد فترة صديقاً شيعياً، كان حاضراً الاجتماع الذي عقده الإمام الصدر لوجهاء القرى الشيعية البترونية. نقل إليه أن الإمام حضهم على وجوب إبقاء علاقاتهم مفتوحة وطيبة مع جميع قيادات منطقة البترون، ومما قاله لأبناء طائفته أنهم في بلاد البترون منذ أعوام طويلة وقدرهم أن يبقوا فيها، فمن المهم أن يتفاعلوا مع أبناء منطقتهم المسيحيين، لأن قدرهم العيش معاً، وإذا واجهتهم أي مشاكل فعليهم بداية الإتصال بقيادات منطقة البترون لمعالجتها، قبل الإتصال به.

هذه كانت وصية الإمام موسى الصدر لأبناء طائفته في منطقة البترون: أن ينفتحوا على الجميع ويتعايشوا مع محيطهم.

في الختام، كم نحن اليوم بحاجة للإمام موسى الصدر وأمثاله، دعاؤنا أن يُفكَّ أسره فيعود إلى أهله ووطنه: إما حياً يرزق فيشارك في قيادة مسيرة هذا الوطن، أو شهيداً يستريح في تراب لبنان، وأن يُفكَّ أسر جميع الأسرى والمعتقلين والمفقودين اللبنانيين في السجون الخارجية، ولنا في منطقة البترون أسير في المعتقلات الاسرائيلية وأربعة عشر أسيراً في المعتقلات السورية، لن نكلّ عن المطالبة بهم لإعادتهم إلى وطنهم ولو حفنة تراب.

نبيل يوسف

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل