لأنه مطلوب أن يظل لبنان ساحة مفتوحة ولا دولة فيه
فوضى السلاح باقية ولا سبيل إلى وضع حدّ لها
بات واضحاً ان ثمة في الداخل وفي الخارج من لا يريد ان يكون في لبنان دولة بل ان يستمر ساحة مفتوحة لصراعات المحاور تحقيقا لاهداف ومخططات معلنة وغير معلنة. ولكي يظل ساحة ينبغي ان يبقى السلاح خارج الدولة، تارة في يد هذا الطرف وطورا في يد ذاك لاتاحة التدخل لاي خارج، وتبقى الدولة ضعيفة عاجزة ولا دور لها سوى التفرّج على ما يجري والاكتفاء بادارة الازمات او التوازنات…
لقد بدأ لبنان يتحول ساحة عندما وقعت احداث 1958 بين انصار الرئيس كميل شمعون وانصار الرئيس جمال عبد الناصر بحجة منع التجديد له، في حين ان تلك الاحداث كانت تخفي صراعا على النفوذ بين اميركا وبريطانيا انتهى بتدخل الاسطول السادس الاميركي ليس لوقفها فقط بل لسد الفراغ الذي احدثه في المنطقة انهيار حلف بغداد، ثم صار الاتفاق بين اميركا ومصر عبد الناصر على اختيار اللواء فؤاد شهاب رئيسا للجمهورية الذي شهد عهده اول محاولة جدية لقيام دولة القانون والمؤسسات في لبنان.
وفي عهد الرئيس شارل حلو حصل اول دخول فلسطيني مسلح الى لبنان، فأدى الى انقسام اللبنانيين حول ذلك والى دخول مزيد من الفلسطينيين المسلحين والانتشار في اكثر من منطقة وكان مبرر هذا الدخول الرغبة في تحرير الاراضي الفلسطينية، ولكن من لبنان… فكانت النتيجة ان السلاح الفلسطيني لم يحرر شبرا واحدا من ارض فلسطين، بل بات على لبنان ان يحرر ارض الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي… واقام وجود هذا السلاح غير المنضبط دولة داخل الدولة اللبنانية بحيث بلغ بياسر عرفات حد القول انه حكم بيروت… ولم ينفع "اتفاق القاهرة" في المحافظة على البقية الباقية من السلطة اللبنانية.
وحاول الرئيس سليمان فرنجيه اثبات وجود الدولة باخضاع المخيمات الفلسطينية لسلطة القانون فاستخدم الطيران الحربي لهذه الغاية، فردت الدول العربية على ذلك بالتهديد باغلاق حدودها مع لبنان اذا لم يتوقف قصف المخيمات. وعندما توقف القصف ازداد تسليح الفلسطينيين كمية ونوعا وتحولت المخيمات ثكنا ومعسكرات. فكانت الحروب اللبنانية – الفلسطينية، واللبنانية – اللبنانية التي لم تتوقف الا بدخول قوات ردع عربية تحولت قوات سورية بموافقة عربية واميركية وبدون معارضة اسرائيلية… ثم كان اتفاق الطائف الذي نفذ منه ما يرضي فئة ولم ينفذ منه ما يرضي فئة لا سيما ما يتعلق بحل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم سلاحها الى الدولة كي تبسط سلطتها بواسطة قواتها الذاتية على كل الاراضي اللبنانية. لكن الوصاية السورية على لبنان كانت كافية حتى مع وجود السلاح الفلسطيني وغير الفلسطيني في لبنان، لحفظ الامن والاستقرار وحكم البلاد سياسيا وامنيا وعسكريا. ولم تنجح محاولات الرئيس الياس سركيس ولا الرئيس امين الجميل في انهاء حكم الوصاية السورية من خلال المطالبة رسميا وخطيا باعادة تمركز القوات السورية في منطقة البقاع تطبيقا لاتفاق الطائف.
وفي عهد الرئيس الياس الهراوي وبعده في عهد الرئيس اميل لحود تكرست الوصاية السورية وتشرعنت من خلال البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة بايراد عبارة "وجود القوات السورية في لبنان هو وجود شرعي وضروري وموقت" بعدما ردت سوريا على "حرب التحرير" التي اعلنها العماد ميشال عون على الوجود العسكري السوري في لبنان بصفته رئيسا لحكومة انتقالية، ما لبثت ان اصبحت نصف حكومة، بضربة عسكرية خاطفة اطاحت حكم عون واخرجته من قصر بعبدا منفيا الى فرنسا بموافقة اميركية واسرائيلية، وقيل إن ذلك كان ثمنا لمشاركة سوريا في حرب الخليج بغية اخراج الجيش العراقي من الكويت.
وما ان تخلص لبنان من عبء السلاح الفلسطيني وسلاح الميليشيات اللبنانية ولا سيما الثقيل منه في ظل الوصاية السورية، وتقلصت العمليات ضد اسرائيل وساد جبهة الجنوب بعض الهدوء، حتى نشأت "المقاومة الاسلامية اللبنانية" بقيادة "حزب الله" وهدفها تحرير الاراضي اللبنانية في الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي، وقد نجحت في تحقيق ذلك وزال هذا الاحتلال من معظم هذه الاراضي تنفيذا للقرار 425، ثم عادت وسجلت انتصارا على الجيش الاسرائيلي في حرب تموز 2006 بالحؤول دون جعل هذا الجيش يحقق اهدافه وفي رأسها القضاء على المقاومة.
ويستمر الاحتفاظ بسلاح المقاومة بدعوى تحرير ما تبقى من الاراضي اللبنانية المحتلة في الجنوب والتصدي للعدوان الاسرائيلي. لكن استمراره اخذ يحدث انقساما بين اللبنانيين كالانقسام الذي احدثه السلاح الفلسطيني لان احداث 7 ايار جعلته في نظر طرف لبناني سلاحا لا يتوجه ضد اسرائيل فقط، بل الى الداخل ايضا لتحقيق مكاسب سياسية واحداث خلل في التوازنات يجعل هذا السلاح هو الحاكم الفعلي وهو صاحب القرار فيوافق على ما يشاء ويرفض ما يشاء.
لذلك فان الدولة القوية في لبنان لم تقم ولا مرة مع وجود سلاح خارجها خصوصا اذا كان يفوقها قوة، ولم يكن لها الحكم والقرار انما كان لحملة السلاح لبنانيين كانوا او غير لبنانيين.
ولا شيء ينهي وجود هذا السلاح الا اذا زالت اسباب وجوده كما زالت من قبل اسباب وجود السلاح الفلسطيني وسلاح الميليشيات اللبنانية، وان لا جدوى من الكلام على ضبط هذا السلاح ولا على اخراجه من بيروت ومن غير بيروت ما دام في الامكان ايصال بديل منه في اي لحظة من اي مكان آخر عندما تقع الحوادث الامنية والاشتباكات، عدا استحالة التمييز بين سلاح مقاوم مسموح به، وسلاح غير مقاوم غير مسموح به.
واسباب الاحتفاظ بسلاح المقاومة تزول عندما يتم التوصل الى تحقيق سلام شامل او عندما يتم التوصل الى تحقيق سلام بين سوريا ولبنان من جهة واسرائيل من جهة اخرى، او عندما يتم التوصل الى تفاهم واتفاق مع ايران على برنامجها النووي.
ومن الآن الى ان يتحقق كل ذلك، فان الدولة اللبنانية تبقى شبه دولة والسلطة تبقى شبه سلطة والسيادة الوطنية تبقى منقوصة، والقرارات لا تتخذ الا بالتوافق، والا تبقى معرضة للتعطيل وعدم التنفيذ.
الى ذلك فان اوساطا سياسية لا ترى اي جدوى من الانشغال بموضوع سلاح المقاومة ولا اثارة الخلافات والانقسامات حوله لئلا تشعل حربا داخلية كارثية، وما دام كل سلاح خارج الدولة لم تستطع اي حكومة معالجته ولا صيحات الاحتجاج والاشتباكات التي تزعزع الامن والاستقرار، انما انتظار زوال الاسباب التي تبرر حمله. فلا اتفاق القاهرة، ولا اتفاق الطائف ولا القرار 1559 ولا قرارات هيئة الحوار الوطني ولا اتفاق الدوحة ولا القرار 1701 ولا اي قرار آخر، قابلة للتنفيذ للتخلص من هذا السلاح اذا لم تتحقق اهدافه المعلنة وغير المعلنة. فحوادث 1958 جاءت بالاسطول السادس الاميركي والسلاح الفلسطيني جاء بالاحتلال الاسرائيلي لبيروت والحرب اللبنانية – الفلسطينية واللبنانية – اللبنانية جاءت بالوصاية السورية على لبنان، فبوصاية من قد يأتي السلاح خارج الدولة اذا لم يتحقق السلام الشامل او لم يتم الاتفاق مع ايران على برنامجها النووي؟