أولاً هل يصح توصيف الاعتدال بالدرع أي بالسلاح الدفاعي وليس الهجومي؟ المعروف أن الدرع هو من عدة القتال، ولكنه يصنف عادة بين عدة الوقاية وليس بين عدة الهجوم. ويستعمل للاحتراس من الضربات القاتلة، وللاتقاء ولرد السهام الموجهة. وسؤال بديهي يبادر إلى الذهن وهو هل يقوى عادة ويتغلب سلاح الدفاع على سلاح الهجوم في ساحة المعركة؟ ولمن الغلبة في النهاية؟وهل عندما نتكلم عن الحاجة لتبني مواقف الاعتدال، أي التعقل والوسطية والتروي في التعامل مع التطرف والعنف، نتكلم عن موقف غير هجومي أي دفاعي وحسب، وبالتالي نروج لسلاح غير كفؤ وغير مجدي في تحقيق الانتصار والغلبة؟ ولكن هل الانتصار يتحقق دائما نتيجة الهجوم؟ وإذا ساد اعتقاد بأن الدفاع قد يكون مؤشر لموقف وهن أو تراجع أو انكفاء عن الهجوم ، هل يمكن تصور ضعيف بموقع الدفاع عن النفس وبالتالي بمستوى المحافظة على الموقع والملكية والحقوق؟هل يمكن للضعيف أن يثبت طويلاً في ساحة المعركة وإن بموقع الدفاع؟ من هذا المنطلق يمكن القول بأنه من البديهي اعتبار أن المحافظة على الموقع هو كالموقف الهجومي، يتطلب قوة وحزم وإرادة. وعندما نقول أنه لا بد من الحوار والاعتدال ومن تغليب لغة العقل والمنطق والعدل ناهيك عن الحزم لمواجهة التطرف الأعمى نحن بصدد تقديم موقف قوي بمواجهة موقف قوى آخر. نقدم مفهوما حضاريا ومتطوراً للقوة ولكن فاعلاً على المدى البعيد، للتعاطي مع أحداث فائقة الخطورة؟
مما لاشك فيه أن التطرف أي تطرف يرتكز دائماً على مفهوم سلبي وخاطئ للحقوق الذاتية مقارنة مع حقوق الآخرين. إذ يقيس المتطرف حقوقه تبعا لمعاييره الخاصة ومن ثم يحلل ويبرر تبديتها وتقديمها على حقوق سواه من البشر، وصولاً إلى احتمال انزلاق بعض التطرف لتبني فلسفة الشواذ أو الانحراف أو الخروج عن الأطر العقلانية والمنطقية وفي بعض الأحيان النظم الإنسانية في التعاطي مع الآخرين. وما حدث في بيروت هو تخطي لهذه الخطوط الحمر، أي تمادي في انحراف التطرف وشذوذه. ذعر وتساؤل في آن واحد أثارته قساوة الأحداث وفداحة الخسائر البشرية والمادية التي شهدتها العاصمة بيروت بعد تجدد موجة العنف القاتلة، والتي ظن اللبنانييون بأنها سويت وطويت إلى غير رجعة في اتفاق الدوحة والذي تلا أحدات 7 أيار المشؤومة. ذعر وتساؤل حول جذور وخلفيات هذه الأحداث، تلاه استشعار بأن هذه العاصمة وكأنها ذاهبة في مسار انحداري سريع باتجاه التحول إلى مرتع للعنف والتطرف. وقد تكون ظاهرة تفشى السلاح هي إحدى هذه المؤشرات وليست أهمها. وحصر البحث في وسيلة لقطع دابر تفشي هذا السلاح قد يكون مسكنا لأوجاع المرض وليس علاجا جذريا له. لأن الأهم والأخطر من السلاح هو ما يختلج ويعمر داخل القلوب والأفئدة من تمترس وعدائية واستعداد سلوكي قد يتحول إلى غير واعٍ وغريزي في الضغط على الزناد يذكرنا بأيام الحروب الأهلية البائدة. معالجة ظاهرة السلاح قد تعطي نتائج آنية ومرحلية. أما العلاج النهائي والفاعل فيكون في تأمين عدالة تعطي كل ذي حق حقه. والجهة التي تؤمن حقوق الناس بالتساوى هي التي تقطع دابر السلاح الغير شرعي. إذ لا يمكنك أن تأخذ السلاح من فريق وتسميه غير شرعيا وتترك السلاح بيد آخر على أساس أنه شرعي وله أهداف أخرى على صعيد الوطن، وهو في نفس الوقت منغمس بدماء المواطنين في الأزقة والزواريب؟
السؤال اليوم ليس حول مصدر السلاح وهويته السياسية بقدر ما هو حول الدوافع، وما أدراك ما الدوافع في المرحلة القائمة. يسأل المواطن العادي: ما هي الأهداف اليوم وراء تجدد موجة العنف؟ بالتحليل البسيط يمكن القول بأنه التطرف. للوهلة الأولى يبرز التطرف كعامل رئيسي وكقاسم مشترك بين مختلف الفرقاء المسؤولين عن هذه الأحداث المأساوية.وخوف المواطن الحقيقي يكمن اليوم في أن تستولد هذه الأحداث بسبب طبيعتها أولاً ومن خلال ردات الفعل، أو عمليات الانتقام والثأر ثانياً، سلسلة متوالية من التطرف قد تتسع دائرته بأشكال وأساليب متجددة وغير معهودة. في ظل كل التساؤلات المطروحة يظل الأمر الأكيد وهو أن الخاسر الأول والأخير هو دائماً المواطن العادي الذي يبحث عن قوت عائلته وسلامتها من أجل البقاء في خضم هذه الأمواج العاتية من التفجير والقتل والإقصاء والتجريم. فهل تجوز وتصح المراهنة على مواقف الشجب والاستنكار وعلى تمكن مبادرات الدعوة لتغليب العقل والتروى، لاحتواء التصعيد، أي تصعيد محتمل في المستقبل؟
وللجواب على هذا التساؤل لا بد من العودة على بدء. وعلى تقديم صيغة الاعتدال والوسطية.قد يبدو للبعض أن موقف الاعتدال ينم عن وهن وتراجع وانكفاء أمام الكارثة. في الحقيقة الخلط بين الاعتدال والوهن كالخلط بين التطرف والقوة . في الحقيقة الاعتدال هو قوة. والضعيف لا يستطيع أن يكون معتدلاً أو وسطيا لآن العنف هو هروب وتلطي من مواجهة الحق والحقيقة. والتطرف هو سمة الضعفاء والمتخلفين عن كبار القوم. وفي كل تطرف وهن وتخاذل وخبث من مواجهة الواقع. ومواربة في الرغبة في الالتفاف وفي محاولة سرقة ونهب حقوق الآخرين وعبر التمدد والتوسع في مقتنى الآخر وحقوقه وملكه الخاص. كل تطرف هو مخادع. والتطرف لا يمكنه أن يكون عاقل. فالعقل هو في الأخلاق. والأخلاق هي في الاعتدال. والعقل هو دائما الراجح والرابح وبالتالي الاعتدال الذي هو سمة العقل والخلق السليم لابد له وأن ينتصر في النهاية مهما تبدلت وتغيرت أوجه التطرف ومهما تخفى التطرف بألبسة وبراقة وتلطى بشعارات لماعة.
لا يوجد أي بديل عن التبادلية في المصالح. ونحن نتكلم عن مصالح وليس عن أي شعارات كبيرة وطنانة أخرى. أحفظ لي مصلحتي حتى أساعدك على الحفاظ على مصالحك. إنسى الأمور السياسية الأخرى. التبادلية في المصالح المشتركة تقتضي تأمين الانفتاح والتعقل في قبول الآخر من أجل خلق الأرضية المؤتية للجميع، لجميع التيارات والمذاهب والأديان،للتمكن من تربية الأجيال على مبادئ الشراكة والتضامن والتكاتف والتآلف من أجل خدمة هذه المصالح المشتركة… اولاً. المصلحة المشتركة أولا يجب أن تكون شعار اللبنانيين في المرحلة المقبلة . ولعل الحوار والقبول بالأطراف الأخرى ومعتقداتها والإيمان بالشراكة العادلة هي الوصفة السحرية لبقاء هذا الوطن، ولتطور وانتعاش اقتصادي منتظر ومطلوب ومرتقب على مستوى مختلف القطاعات والأصعدة الاقتصادية والتنموية.