ايران في مأزق حقيقي ، وكافٍ متابعة الهجوم العنيف الذي بدأت خارجيتها شنّه على المفاوضات المباشرة منذ صدمة تحديد موعدها ، انتهاء بصدمة انطلاقها في واشنطن، عملياً الأذرع العسكريّة لإيران مقيّدة ، وهي في بعض المناطق "مغلولة"، ففي غزّة حماس الداخل أعجز من خوض معركة مفتوحة للحساب الإيراني لعرقلة أو وقف قطار المفاوضات الذي انطلق ، وحماس دمشق "مقيّدة" باللحظة السوريّة التي ترقب انطلاق المسار الفلسطيني باندفاعة لافتة وتصريحات حكوميّة إسرائيليّة فيها للمرة الأولى حديث عن "تنازلات مؤلمة" …
عملياً؛ لا شيء قد يمنع تحريك المسار السوري -الإسرائيلي للمفاوضات خلال الأشهر المقبلة إذا ما ظهرت علامات جديّة الأميركيين والإسرائيليين، خصوصاً أنّ سورية طوال السنوات الماضية كان مطلبها الوحيد "رعاية أميركيّة للمفاوضات المباشرة" ، خصوصاً بعد تعثر الوسيط التركي بسبب انتفاخ حجمه الأمر الذي جعله مرفوضاً من الجانب الإسرائيلي …فالمرحلة السورية بكلّ المقاييس مرحلة ترقّب ، وهذا يزيد المأزق الإيراني حرجاً ، فإيران قد تستطيع دفع حماس غزّة إلى التهوّر وتفجير حرب ، وقد تحرّك حزب الله ذراعها الطولى في لبنان ، خصوصاً أنّ مآزقه الداخليّة تتسّع مروحتها بفعل تهوّر قيادته في إدارة الشأن السياسي الداخلي، ولكن لا تستطيع إيران استدراج سورية إلى معركة لا تريدها ، وفي تحريك بعض ألوية الجيش الإسرائيلي على الحدود اللبنانيّة- السوريّة رسالة شديدة الوضوح قبيل انطلاق المفاوضات المباشرة…
وإذا كانت الدول العربية مجتمعة والسلطة الفلسطينيّة والولايات المتحدة الأميركية ، ثمّ سورية ولبنان يريدون أن يأكلوا عنباً لا أن يَقتلوا الناطور أو يُقتلوا في حرب ستكون طاحنة إن نشبت ، سيظلّ السؤال: ماذا يريد حزب "الله" كونه يملك ورقة الحرب والسّلم، ويملك فوقها "جبخانة سلاح" قادرة على إشعال المنطقة من البحر الأبيض المتوسط إلى البحر الأحمر…
عمليّاً: قلق حزب الله وارتباكه الحقيقي سببه المفاوضات الأيلوليّة المتسارعة، وخوفه وتوتره أبعد بكثير من قرار ظنّي، أو مناداة اللبنانيين ببيروت منزوعة السّلاح، ولا يستطيع أي متابع أن يفهم أسباب "فوران" حزب الله وحالة الغليان التي بلغها في خطابه ، إلا إذا فهم "القلق" الحقيقي الذي ينتاب الحزب من التوصّل إلى اتفاقية سلام في المنطقة، فأي مشروع سلام في المنطقة ، هو المسمار الأكبر في نعش "الخديعة" الإيرانية الكبرى، التي غلّفت بشعار: "القدس" ، فمن بوابة القدس تسللت إيران إلى العالم العربي ، ومن بوابة "يوم القدس العالمي" ، تحرّك إيران تابعيها في شوارع المدن العربيّة ، السلام في المنطقة العربية كسرٌ ليد المشروع الإيراني العابث فيها ، وكسر للمشروع الأشمل والأهمّ و"الحقيقي" وهو نشر التشيّع الإيراني لوضع اليد على العالم العربي "السُنّي" تحت عنوان براق مخادع اسمه فلسطين…
وليستطيع أي متابع فهم حال ارتباك حزب الله ، والمفاوضات المباشرة في عيون الحزب القلقة جداً هذه الأيام ، عليه أن يُعيد قراءة قلق الحزب الكبير وموقفه أيام رئيس الحكومة الإسرائيليّة المغتال إسحاق رابين وبعد توقيع اتفاقات "أوسلو" مع الفلسطينيين ، وسَيْر رابين في اتجاه عقد سلام مع سورية فأعدت العدة لذلك، بل وبلغت حدّ الاتفاق على ما اصطلح تسميته "وديعة رابين" واتجهت الأنظار يومها إلى الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في لحظة كان فيها المسار السوري ـ الإسرائيلي قاب قوسين أو أدنى من التوصّل إلى اتفاق سلام ، ولم يقطع هذا المسار إلا إقدام متطرف يهودي على اغتيال إسحاق رابين…من هذه الزاوية وباستعادة تفاصيلها يمكننا أن نقرأ مأزق حزب الله الحالي وهو جزء من المأزق الإيراني الحالي والكبير، وفي الغد تتمّة رؤية ومخاوف وقلق حزب الله ، في هذه اللحظة الإقليميّة الشديدة الدقّة .