كتبت روزانا بومنصف في "النهار": نصحت جهات ديبلوماسية غربية في بيروت بعض المسؤولين السياسيين بعدم الدفع في اتجاه قرارات تتخذها الدولة اللبنانية يمكن ان تعجز عن تنفيذها فتنعكس كارثة على لبنان على غرار المطالبة بنزع سلاح الميليشيات في بيروت او جعل العاصمة مدينة منزوعة السلاح. اذ على رغم ان هذا مطلب حق لاهل العاصمة كما لكل اللبنانيين، وعلى رغم ان هذا الامر يقع على عاتق المسؤولين في الدولة، سياسيين وعسكريين، فإن الموضوعية تقضي بمقاربة الموضوع بالمقدار الاكبر الممكن من الواقعية.
اذ ان محاولة مماثلة حصلت في اليمن قبل عشرة اعوام حين اعلنت صنعاء مدينة منزوعة السلاح وقررت الحكومة نزع السلاح، إما بمصادرته من حامليه او لاحقاً بدفع هؤلاء الى اخفائه عن الاعين فقط، الامر الذي ادى عمليا الى ضرب هيبة الدولة، التي تقلص حجم نفوذها وتأثيرها نتيجة لذلك، كما يظهر حالياً خصوصا.
والسلاح في اليمن منتشر على نحو كثيف جدا على رغم انه قد لا يكون اي فريق فيه بقوة "حزب الله" او قدرته التنظيمية الا ان الاخير يفتقد الكثير من الاسلحة المتوافرة في حدائق منازل اليمنيين كما تفيد هذه الجهات. وتاليا من الافضل ان تقارب الدولة اللبنانية الموضوع من زاوية حفظ هيبتها والسعي الى تنفيذ ما يمكن تنفيذه وليس تحديد اهداف غير قابلة للتحقيق عبر الاجهزة الامنية في انتظار الوقت الملائم للقيام بما يجب القيام به على هذا الصعيد. ويبدو من خلال هذا الموقف ان هذه الجهات تفضل القليل المتوافر من الهيكلية القائمة للدولة اللبنانية على انهيار هذه الهيكلية كليا في ظل عوامل لا تسمح موضوعيا بتطوير ما هو قائم مع وجود سلاح حزبي اساسي في الواجهة هو سلاح "حزب الله" الذي يتطلب عوامل عدة لمعالجة وجوده.
وهذا الواقع لم يُظهر المسؤولون بعداً عنه لادراك غالبيتهم ان جعل بيروت منزوعة السلاح امر لن يحصل ولا يمكن ان يحصل في ظل موازين القوى الحالية اي موازين القوى السياسية كما موازين هذه القوى بازاء الاجهزة الامنية. لذلك تقول مصادر معنية ان رئيس الحكومة سعد الحريري لم يذهب بعيدا في تبني المطالبة بجعل بيروت منزوعة السلاح على رغم ضغوط من الشارع وعدم رغبة البيروتيين في تكرار مآسي الحرب الاهلية. لكن رد فعله انصبّ على استيعاب الغضب الذي شعر به ابناء العاصمة واظهار تفهمه لمعاناتهم وخصوصاً متى كان في امكان حادث فردي ان يتسبب بهذا المقدار من الالم والمعاناة والخسائر. وقد يكون اصعب على كتلته النيابية ان تتخلى عن هذا الطلب والاصرار على تنفيذه من ضمن الممكن وخصوصاً متى كانت تمثل ابناء العاصمة وتتحدث باسمهم.
وتقول مصادر عليمة انه كان واضحا لدى الحريري قبل توجهه الى دمشق الاحد الماضي حيث التقى الرئيس السوري بشار الاسد انه لن يدفع بهذا الامر بعيدا وهو سيتوقف عند الحد الذي رسمه في كلامه لجهة اتخاذ اجراءات امنية تكفل عدم تكرار ما حدث وحماية المواطنين. لكنه يعلم كما يعلم كثيرون ان جملة عوائق تحول دون الذهاب بعيدا في جعل بيروت مدينة منزوعة السلاح فعلاً لا قولاً.
هل انتهت تداعيات هذه الاشتباكات وأقفل ملفها؟
تقول مصادر وزارية ان مجلس الوزراء شهد نقاشاً جدياً واسعاً أكبر بكثير مما سرّب، اذ قيل كل شيء خلال الجلسة بين وزراء "حزب الله" الذين اعتبروا ان الاشتباكات استغلت سياسياً، ووزراء اخرين اعتبروا ان رد الحزب كان محاكمة للنيات في حين ان الامر لم يتخط اطار التجاوب مع ردّ فعل الناس والسعي الى استيعابه. مما استدعى مواقف سياسية واكبت سخطهم وغضبهم ولم تكن التصريحات السياسية هي التي حرّكت الناس. وكان كلام ايضاً حول التناقض الذي اتسمت به مواقف الحزب، اذ اكد من جهة ان الحادث كان فرديا، فيما تحدث آخرون في المقابل عن مؤامرة تستهدفه من مخابرات خارجية واطراف ثالثين على الارض الامر الذي يعقّد الامور ولا يسمح بحصر الحادث.
ويفترض بهذه المصارحة ان تقفل الجدل حول هذا الملف على رغم احتمال عدم قدرة نواب العاصمة عن التخلي بسهولة عن مطالبتهم بجعل بيروت آمنة وبالتوافق السياسي بين الجميع على ما اكدت المطالبات الاخيرة في هذا الشأن. لكن الافرقاء جميعهم يسلمون بواقع ان هناك سقفاً للاستقرار لا يمكن تجاوزه وهناك توافق عربي ودولي على هذا السقف الذي ينسحب على الواقع الامني كما على الواقع السياسي وهو السقف الذي تصر عليه سوريا بمعناه الشامل بحيث لا يمكن ان تسمح بأن تؤدي اي فوضى في لبنان الى فتح الباب امام حرب تشنها اسرائيل عليه لا يمكن التكهن بنتائجها.
في المقابل، فإن الجهات الديبلوماسية لا تنكر القلق الخارجي من تداعيات حوادث مماثلة في لبنان على رغم ان الانظار الخارجية باتت مشدودة بقوة نحو المفاوضات المباشرة. لكنها تعتقد ان الخلاصات التي يمكن ان يتوقف عندها المراقبون غير المحليين تتصل بسهولة استخدام "حزب الله" سلاحه في الداخل فيما كان الاعتقاد ان 7 ايار 2008 كان استثناء لا يمكن العودة اليه. كما اظهرت هذه الاشتباكات ان هناك قدرة على مواجهة الحزب من الداخل او بالاحرى عدم الخشية من مواجهته بصرف النظر عمن يمكن ان يكسب اي مواجهة.