ربط المفاوضات المباشرة بمنطق "تحسين صورة أميركا" قد لا يخدمها كثيراً
دعم أبو مازن واجب قومي ليبرالي "عربي"
ليس ثمّة أدنى شكّ بأنّ الرئيس الأميركيّ باراك اوباما قد جازف في رعاية عملية إطلاق المفاوضات المباشرة الجديدة بين الفلسطينيين والإسرائيليين بأسلوب من السهل تماماً محاصرته بأسئلة التشكيك التقليديّة، ناهيك عن الأسئلة القلقة التي تتعلّق باستراتيجية إدارة اوباما لعموم المنطقة، وهي إستراتيجية أقل ما يقال فيها انّها تبالغ في السعي وراء "تحسين صورة أميركا في العالم" إلى الدرجة التي تعرقل حلّ النزاعات المزمنة، مثل الصراع العربيّ الإسرائيليّ، أو كبح الجامحين، مثلما هو الحال مع "المشروع الإيرانيّ"، أو دفع التوسّع الديموقراطيّ الليبراليّ للتقدّم من جديد.. بإتجاه الشرق!
إلا أنّ الموقف من رؤية اوباما لعملية السلام ومن طريقة إدارته للمفاوضات المباشرة شيء، فيما التردّد ولو للحظة واحدة في دعم القرار الفلسطينيّ المستقل ممثلاً بالرئيس محمود عباس، في المضي قدماً في المفاوضات المباشرة شيء آخر تماماً، وخصوصاً أنّه من المفترض أن تكون مفاوضات مباشرة ليس فقط بمعنى التفاوض وجهاً لوجه، وإنّما أيضاً بمعنى التطرّق مباشرة للقضايا الأساسيّة، أي لقضايا الحلّ النهائي بدلاً من الغرق في فوضى المراحل الإنتقالية.
ينبغي عدم التردّد في تشجيع الرئيس الفلسطينيّ وهذا برسم كل المعتدلين والليبراليين والتقدميين العرب، سياسيين ومثقفين وإعلاميين، وبالدرجة الأولى برسم اللبنانيين منهم، خصوصاً وأنّ إسم أبو مازن قد أضحى منذ سنوات عنواناً لإصلاح عميق في العلاقات بين الشعبين اللبناني والفلسطيني وبين الدولة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية، كما أنّ القرار اللبناني المستقلّ هو شقيق للقرار الفلسطينيّ المستقلّ. من المحيط إلى الخليج يمكن القول إنّ دعم الرئيس الفلسطيني الآن، وهو يناضل بالمفاوضات المباشرة، هو واجب قوميّ ليبراليّ عربيّ.
وفي أقلّ تقدير فإن عودة رئيس السلطة الفلسطينية إلى مركز الضوء الدولي يعود بالنفع على القضية الفلسطينية، ويقلّل من مشهدية الإنقسام والإنفصال منذ ما حصل في غزة في العام 2007. وإذا كان من الصحيح تماماً أنّ المفاوضات بحدّ ذاتها ليست شعبية عند الشعب الفلسطينيّ، فليس صحيحاً مع ذلك أبداً أنّ الرئيس الفلسطينيّ يفتقد الشرعية الشعبية التي تؤهّله المضي في هذه المفاوضات، وليس صحيحاً أيضاً وأيضاً أنّ الرئيس الفلسطينيّ يمكنه أن يوقّع على أي شيء لا يمكن أن يعود فيمثل على أساسه أمام "شعب الجبارين" كما كان الراحل ياسر عرفات يصف الشعب الفلسطيني.
ليس هناك أي ضمانة لأن تأتي المفاوضات المباشرة بنتيجة مباشرة، لكن في المقابل فإنّ هذه المفاوضات وبمجرّد ملامستها قضايا الحل النهائي يمكنها أن تعود فتتصل مع ما راكمه الشعب الفلسطيني من نضالات. ذلك أنّ السؤال عن كيفية بناء دولة فلسطينية قابلة للعيش فوق جزء من أرض فلسطين التاريخية يطرح نفسه للمرة الأولى على هذا المستوى، ولو كان في ظلّ حكومة إسرائيلية شديدة الرعونة ومتدرّبة أيديولوجياً ضدّ السلام، وفي ظلّ إدارة الرئيس أوباما الذي لا يرى إلى السلام إلا من زاوية تسويقية تتعلّق بـ"تحسين صورة أميركا في العالم" وليس من زاوية أنّ هيبة الولايات المتحدة الأميركية في العالم باتت متصلة بقدرتها على وضع حد لصراعات مزمنة موروثة من مرحلة تاريخية منقضية هي مرحلة الحرب الباردة.
وفي هذا الصدد، ربّما تكون ضرورة تشجيع المفاوض الفلسطيني مدخلاً للتنبيه إلى أنّ المطلوب عربياً ليس إنتظار أميركا حتى تكون "محايدة" في الصراع العربيّ الإسرائيليّ، بل حتى تكون "فاعلة" في إنهاء هذا الصراع، بالشكل المقترب من مبادرة السلام العربية.