استعجل شباب الممانعة عندنا بعض الشيء، على ما يبدو عندما أطلقوا مواقفهم الهجومية النارية ضد استئناف المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.
بدءاً من السيد خالد مشعل وصولاً الى النائب محمد رعد. الإثنان توليا مهمة الركّ الهجمائي. وكلٌ في مجاله. الأول ضد السلطة الفلسطينية ورئيسها، والثاني ضد موقف صدر في بيروت.
والموقف اللبناني المُعلن ذاك فرضته (وتفرضه) اعتبارات جوهرية أولها أن إسرائيل تحاول دكّ طريق المفاوضات ونسفه وإبقاء المنطقة مقيمة على وقع التوتر وعدّ الأيام الفاصلة عن الحرب الجديدة ليس إلا، وثانيها (وهذا الأساس) أن الاستراتيجية العربية المعلنة والمسبوكة في مشروع قمة بيروت عام 2002 تقول بالسلام في مقابل الأرض، ولا شيء من الكفر أو الشطط في إعادة تأكيد التزام لبنان ذلك السقف والتحذير من تداعيات سقوطه!
الاستعجال في الإجمال رجسٌ من عمل الشيطان، وفيه قبل ذلك شبهة استشارة فعل الندامة… أما لماذا الوصول الى تلك النتيجة فلأن الرئيس أحمدي نجاد شخصياً قال لتلفزيون "العالم" الإيراني الناطق بالعربية انه كان يجب إشراك "حماس" في المفاوضات "لأنها الأكثر تمثيلاً للشعب الفلسطيني".
لم يرفض مبدأ المفاوضات في الأساس، ولم يُصدر موقفاً جذرياً مألوفاً في شأن المشروع البديل عنها، وهو ما دأبنا على سماعه منذ سنوات عدة وعلى لسانه أكثر من غيره ويقول من جملة ما يقول أن لا حلّ إلا بإزالة إسرائيل من الوجود.. أو ما شابه ذلك!
ولم يكتفِ الرئيس نجاد بالأمس بتقديم طلب إشراك "حماس" في المفاوضات المباشرة! بل بدا عاتباً على الإدارات الأميركية المتعاقبة لأنها دعمت إسرائيل دائماً ولا يمكنها لعب دور الوسيط.
والحال أننا أمام تطوّر كبير في الموقف الرسمي الإيراني المعلن الذي يعبّر عنه الرئيس أحمدي نجاد. وهو على ما يبدو يأتي ليعطي صدقية لتسريبات انتشرت في الفترة الأخيرة عن بدء (أو الاقتراب من بدء) محادثات سرية بين طهران وواشنطن في شأن كل ما هو عالق بين الطرفين منذ أكثر من ثلاثة عقود، مع التذكير بالمناسبة بما قاله المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي قبل أيام من أنه يطلب إيقاف العقوبات الاقتصادية والمالية كشرط مسبق للتحادث مع الأميركيين.
في كل الحالات، يبدو المشهد مدعاة للمعاينة والتمحيص وطرح الأسئلة: هل يعقل أن يكون الموقف الإيراني على هذا القدر من الوداعة حيال استئناف المفاوضات، فيما حلفاء إيران يشعلون الدنيا صراخاً ضد ذلك؟! وهل يعقل أن يطلب الرئيس أحمدي نجاد إشراك "حماس" في تلك المفاوضات فيما السيد مشعل يستعير من أفران اللغة كل ما فيها من جمر لإلقائه على الرئيس الفلسطيني محمود عباس ونهجه "الخياني والاستسلامي".. وهل يعقل أن يعتبر الرئيس أحمدي نجاد تلك المفاوضات مناسبة على هذا القدر من الأهمية ليطلب إشراك "حماس" فيها فيما السيد رعد عندنا يرفع صوته ويطرح استنتاجات خطيرة واتهامات أخطر لأن موقفاً لبنانياً استند الى المُعلن الشرعي والرسمي اللبناني والعربي وأعطى رأيه في تلك المحاولة من جديد؟!
إما أن هناك مشكلة "إتصالات" بين طهران وحلفائها، وإما أننا إزاء ازدواجية فظيعة تبيح الشيء ونقيضه، ولا يستقوي أصحابها إلا علينا؟!
بانتظار صدور توضيح ما… نبقى على السمع. حوّل!