كان لافتا بيان مجلس المطارنة الموارنة لجهة تأييده المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين برعاية أميركية، خصوصا بعد حملة "حزب الله" على رئيس الحكومة سعد الحريري والتي تولاها بشكل أساسي رئيس الكتلة البرلمانية للحزب النائب محمد رعد، وتركزت على موقف الحريري المؤيد لهذه المفاوضات. أما أهمية بيان المطارنة فتكمن في الأتي:
أولا، تُظهر بكركي مرة تلو الأخرى بأنها لا تتأثر بالمواقف أو المناخات السياسية التي يحاول أصحابها تعميمها لترهيب الرأي العام وإخضاعه وتدجينه، لا بل تحرص على قول ما تعتقد أنه يصب في خانة المصلحة اللبنانية.
ثانيا، تُظهر بكركي بأنها الأجرأ على تحديد السقف السياسي الذي يفترض بالدولة اعتماده لما فيه خير اللبنانيين ومصلحتهم.
ثالثا، يشكل حل القضية الفلسطينية مدخلا لحل مسألة الإرهاب وقضايا نزاعية أخرى وفي طليعتها الأزمة اللبنانية، إذ ثمة ترابط موضوعي بين القضيتين الفلسطينية واللبنانية، لأن إحلال السلام في الأولى سيدفع سوريا ولو مكرهة إلى توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل، مما سيبطل دور "المقاومة" في لبنان الذي يعود عندذاك دولة طبيعية.
رابعا، القول "إن لبنان ليس معنيا على الإطلاق بأي ترحيب بمفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع العدو الصهيوني"، كما جاء في بيان كتلة "الوفاء للمقاومة" يصب عمليا في خانة دعم توطين الفلسطينيين في لبنان، لأن اللاسلام يعني لا حل لعقدة اللاجئين، بينما موضوع اللاجئين هو جزء من المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وبالتالي من يعمل للتوطين هو من يعارض هذه المفاوضات ومسار السلام في المنطقة، ومن يرفض التوطين هو من يؤيد هذه المفاوضات والمسار السلمي في المنطقة.
خامسا، من حق لبنان تأييد المفاوضات التي تبدأ اليوم أو عدم تأييدها، ولكن ليس من حقه عدم مواكبة هذه المفاوضات من خلال تكثيف الاتصالات مع الجانب الفلسطيني ممثلا بالرئيس محمود عباس والأطراف الراعية لهذه المفاوضات بدءا بالأميركيين وصولا إلى المصريين والأردنيين، لأن "لبنان معني مباشرة بهذه القضية، ولا سيّما بمعضلة اللاجئين الفلسطينيين الذين قد يُحرمون من حق العودة او يُجبرون على التوطين في البلدان التي يعيشون فيها. وهذا ما يرفضه جميع اللبنانيين لانه يتناقض مع الدستور اللبناني، ويشكّل اكبر خطر على لبنان دولةً ومجتمعاً وكياناً"، كما ورد في بيان مجلس المطارنة الموارنة.
سادساً، لا يجوز أن ينقض لبنان أو يتجاهل ما وقع عليه وصار جزءا من بيانه الوزاري والمتعلق بالمبادرة العربية للسلام التي أقرت في القمة العربية في بيروت.
سابعاً، لا يمكن للبنان، موضوعيا، أن يقف مع محور عربي في مواجهة محور عربي آخر، ولكن في ظل ترحيب قسم من الدول العربية وعدم تعليق القسم الآخر، يجب ألا يضع لبنان نفسه في المحور الإيراني في مواجهة الموقف العربي.
ثامناً، لا يستطيع لبنان أن يقف في مواجهة المجتمع الدولي الداعم بقوة استثنائية وفريدة من نوعها حل القضية الفلسطينية، سيما أن لبنان بأمس الحاجة لمظلة هذا المجتمع وتأييده.
تاسعاً، إن الرفض المعلن لقوى "8 آذار" للمفاوضات المباشرة وحتى غير المباشرة وفق بيان كتلة "الوفاء للمقاومة"، يفترض أن يوازن بتأييد هذه المفاوضات من قبل قوى "14 آذار"، على غرار بيان مجلس المطارنة الذي كان سباقا في هذا المجال، إذ من غير المسموح أن تسيطر وجهة نظر واحدة، بقوة السلاح والإرهاب المعنوي، على وجهات النظر الأخرى في البلد، خصوصا أن ثمة مصلحة لبنانية حيوية بنجاح هذه المفاوضات.
عاشراً، يفترض برئيسي الجمهورية والحكومة أن يجسدا المصلحة اللبنانية عبر قيامهما "بحملة ديبلوماسية واعلامية واسعة وواضحة ترفض تنصّل المجتمع الدولي من مسؤولياته، وحلّ قضية اللاجئين الفلسطينيين على حساب لبنان"، كما ورد أيضا وأيضا في بيان مجلس المطارنة.
لن يكون الموقف الرسمي للبنان والصادر عن مجلس الوزراء، في حال طرحت هذه القضية عليه وداخله، أفضل من موقف هذا المجلس من العقوبات على إيران، لأن توازن القوى بين 8 و14 آذار، سيحول دون اتخاذ موقف في هذا الاتجاه أو ذاك، وهذا بالإضافة إلى الموقف السوري المربك رفضا أو تأييدا لهذه المفاوضات، واضطرار "حزب الله" لمراعاة بشكل أو بآخر هذا الارباك السوري، ولكن من غير المقبول، أقله على مستوى القوى السيادية، التردد تأييداً لهذه المفاوضات للأسباب الآنفة الذكر وبغية تأمين التوازن مع قوى "الممانعة" التي تعمل على تأبيد الأوضاع الراهنة لاستمرار دورها المعطل للسلام والاستقرار.
