ترف الإبحار في عالم الوهم والخيال عام، وشظف الواقع خاص.
لا ضرورات مادية في ذلك العالم ولا علامات بيّنات تؤشر إليه، بل هو قمّة التورية في أصفى حالاتها.. يستطيع أي مشرّد أن يحلم ويتوهّم أنه يعيش في قصر مرمري قدر ما يشاء، بل مساحة خياله أرفع سقفاً من تلك المتوفرة للمقتدر والمرتاح، لكن ذلك لن يغيّر شيئاً في واقع أن الشارع هو عنوان سكنه!
ذلك العالم شائع شيوع الناس، لكن عكسه نادر ندرة القدرة المثلى على كبت الغريزة والتحكم بها لصالح المنطق الآتي من الواقع كما هو.
في الخاص كما في العام، المنطق نفسه. وفي السياسة كما في غيرها من آليات صنع الزمان وأحواله ومآله، يمكن توهّم قدرات وإمكانات والبناء عليها استناداً الى واقع تسليحي وتنظيمي ومادي، ويمكن إطلاق مواقف يُظنّ أنها منطقية قياساً الى ذلك الواقع، غير أن الوهم هو المنتصر في نهاية المطاف.
.. خيالك ملك لك. نعم، لكن وهمك سيكون مدمّراً إذا افترضت أن الحقيقة لك وحدك وأن الواقع الخاص بقدراتك هو واقع عام، وأن أحكامك الذاتية يمكن أن تسري على الآخرين استناداً الى ذلك، وأن آلتك الحربية سلاحاً وإعلاماً ومالاً وتنظيماً يمكن أن توصل الى نهايات تتمناها.
فارق كبير بين الحقيقة والوهم. يحق للافراد التمتع بترف المفاضلة بين الأمرين واختيار الإقامة في أي مبنى بينهما، لكن لا يحق للمقتدر الكامش على مصائر بشر وأقوام وجغرافيا أن يختار الإقامة في حالة ملتبسة، أو أن يبقي نصف الحقيقة مرميّة تحت سجّادة النصف الآخر. يعرف ويطنّش أو يعرف ويختار أن لا يعرف، أو بالأحرى يختار القياس استناداً الى ميزانه هو: هناك سلبيات واضحة ومحددة وإيجابيات واضحة ومحددة. تقضي المصلحة الذاتية للمشروع أن نتحمّل سلبيات الراهن من أجل إيجابيات الغد الموعودة؟!
ليست العملية حسبة تجارية في سوق البطيخ، ولا استنساخاً واستعارة لفرضية أهل الاقتصاد: نخسر الآن ونربح غداً.. ليست أيامنا فصلاً دراسياً في جامعة مفتوحة، وليست أحوالنا بنات عاديات العيش في مجتمعات مترفة أكبر همومها يتعلق بجمعية للرفق بالحيوان، والسعي الى استضافة كأس العالم في كرة القدم، ومعرفة من تبوأ المركز الأول في سباق الفيديو كليب..
نحن في عالم آخر، مختلف جذرياً حتى آخر حدود الاختلاف (وأي اكتشاف عظيم هذا؟!) عادياتنا اليومية والبسيطة تبدأ صباحاً بمراقبة تكتكة ساعة انفجار حرب داخلية، وتنتهي مساء بمراقبة المسافة المتبقية قبل الوصول الى حرب خارجية. وفي ساعات النهار بين الترقبين نتسلى بالقلق من كل شيء وعلى كل شيء، ونحصي عدد الكلمات التي خوّنتنا وصلبتنا ومحتنا مئة مرة من الوجود، ونحصي معها المواقف التي تتوعّدنا بالخراب وعدد السكاكين التي شُحذت حتى الآن وعدد ألسنة الأفاعي التي امتدت صوبنا حتى تاريخه!
في عالم الوهم والخيال، يمكن أن تفترض ما تشاء، لكن في عالم الواقع يُفترض أن يكون الدرس محفوظاً عن غيب، وتماماً كما قال لينين "المواقف السياسية في القضايا الكبرى لا تُقاس بالأمتار إنما بنقلة النملة".. كل خطوة لها حسابها، وكل كلمة لها تداعياتها وكل موقف له ثمنه..
لا يحق لمن لديه كل ذلك القلق والانتظار أن يفترض مناعة كافية في شرنقته، أو أن يتصور أن مراكمة الأخصام والأعداء دليل قوة ذاتية لا تُقهر، او أن يرى في كل يد ممدودة إليه خنجراً مخفياً وكيداً تآمرياً، أو أن يعتقد لحظة أن مشروعه وإن استند الى كل ذلك المخزون الحربي يمكن أن يركب في بلد هوايته المفضلة تحطيم الأوهام والأحلام وكسر الإمبراطوريات الحقيقية العسكرية والتنظيمية والمالية..
في بلد الحقيقة لا مكان للوهم… كثيرون جرّبوا. إسألهم!